يلوح لنا إغراء خفيّ لكنه خطير حين ننظر إلى الانتخاب الطبيعي natural selection بوصفه القوة العمياء التي شكّلت أجسادنا وعقولنا و ميولنا الأخلاقية على مدى ملايين السنين: أن نستخلص من آلياته دروساً أخلاقية، وأن نرى في بقاء الأصلح مبرراً لما ينبغي أن يكون. وقد وضع عالم النفس التطوري ستيف ستيوارت-ويليامز يده على هذا الالتباس في كتابه «القرد الذي فهم الكون» The Ape that Understood the Universe حين قرر أن «افتراض أن السمة إذا حظيت بتفضيل الانتخاب الطبيعي فلا بد أنها جيدة أو صائبة أو ملائمة، هو خطأ دائماً». ويفتح هذا التحذير سؤالين لا مفرّ منهما:
ما العلاقة بين ما أنتجته الطبيعة فينا وما نسعى إليه؟ وإن لم تكن الطبيعة مصدراً للمعيار الأخلاقي، فمن أين يأتي هذا المعيار أصلاً؟
والمغالطة راسخة في تاريخ الفكر، تُعرف بـ«المغالطة الطبيعية» naturalistic fallacy في صورتها الشائعة: الانزلاق من الوصف إلى المعيار، ومن ما هو الكائن إلى ما ينبغي أن يكون. فالانتخاب الطبيعي لا يكترث بالعدالة ولا بالرحمة؛ إنه آلية تراكمية تُبقي على السمات التي تزيد احتمال البقاء والتكاثر في بيئة بعينها. والأنانية والعدوان طبيعيان كالتعاون، بل ربما كانا أرسخ منه.
غير أن التحرر من هذه المغالطة يخلّف فراغاً مقلقاً: إذا لم تكن الطبيعة مرجعاً أخلاقياً، فما البديل؟
وقد تنازع الفلاسفة في هذا منذ قرون: فمنهم من يرى الحقائق الأخلاقية موجودة موضوعياً في الواقع تنتظر من يكتشفها، ومنهم من يردّها إلى أمر إلهي متعالٍ، ويعدّها ثالث بناءات بشرية صرفة لا وجود لها خارج عقولنا. ورفض المغالطة الطبيعية وحده لا يقدم إجابة جاهزة. والمطلوب تأسيس يمكن تبريره بأدوات متاحة للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، بدل أن نفترض سلفاً موقفاً ميتافيزيقياً بعينه.
وجوابٌ ممكن أن يقال: إن المعايير الأخلاقية ليست حقائق مُكتشفة في نسيج الكون، بل بناءات تنشأ من التفاوض البشري المستمر. فحين نقول إن الطب الذي يُبقي على حياة المرضى، والقوانين التي تحمي الضعفاء، أفضل من ترك الناس لمصائرهم، فإنما نعلن التزاماً جماعياً بقيم اخترناها: تخفيف المعاناة، وتوسيع دائرة من نراهم جديرين بالرعاية.
فإن قيل: إذا كانت القيم بناءات بشرية، فلماذا ألتزم بها؟ وما الذي يمنع مجتمعاً آخر أن يبني قيماً مغايرة تماماً ثم يدّعي أنها صحيحة بالقدر ذاته؟ والسؤال كله يعود إلى هذا:
هل نستطيع الدفاع عن قيم بعينها دون أن ندّعي أنها مكتوبة في السماء أو محفورة في طبيعة الأشياء؟
والأقرب إلى التواضع والصدق أن نقول أننا نراهن على قيمنا بدلاً من أن نبرهن عليها، لكنها مراهنة ليست تعسفية ولا عمياء: نختار من القيم ما نستطيع تبريره بالحجة والمنطق، ونختبره بما يصنعه في حياة الناس، ويبقى بعد ذلك مفتوحاً للنقاش الجماعي والمراجعة.
وحين يقول ستيوارت-ويليامز إن «فعل الصواب كثيراً ما يعني السير ضد الانتخاب الطبيعي»، فهو يصف هذه المراهنة الواعية: نقرر أن التعاطف الذي نشعر به جدير بأن يصير فعلاً. فالكون لم يأمرنا بشيء، لكننا حين نفحص البدائل ونقارن بين عوالم ممكنة، نجد أن عالماً يقلّل المعاناة ويوسّع الفرص خير من عالم يتركنا للصراع الأعمى، بمعيار نستطيع تبريره عقلاً والدفاع عنه أمام غيرنا.
وهذا موقف متواضع، لكنه قابل للأخذ به: نرفض الطبيعة مرشداً، ونقرّ بأن قيمنا بناءات بشرية، ولا نمضي مع ذلك إلى نسبية مطلقة تسوّي بين القيم جميعاً. تبقى بأيدينا أدوات التفكير الأخلاقي: المنطق والتجربة والتعاطف والحوار الجماعي. وليس في هذا رفض للإيمان؛ فالمؤمن قد يرى في هذه الأدوات حكمة إلهية أودعت فينا، ويراها غير المؤمن ثمرة للتطور، ويستطيع كلاهما أن يحتكم إلى معايير المحاججة نفسها.
لكن ذلك الجواب يترك السؤال قائماً: ما الذي يجعل تخفيف المعاناة أولى من تعظيم القوة، والعدل أولى من الهيمنة؟ ولمن يقول إنّ في المعاناة تهذيباً للنفس وإنّ في القوة سموّاً حجّةٌ يسوقها كما نسوق حجّتنا. وأن نختار ما نستطيع تبريره بالحجة والتجربة والحوار جوابٌ معقول، غير أنه ليس برهاناً؛ وإذا ترك عند هذا الحدّ بدت القيم اختياراً جماعياً يقبل أن يُستبدل بأيّ اختيار آخر.
والأدقّ أن القيم ليست أوامر مكتوبة في الطبيعة، وليست اعتباطية أيضاً. لها أساس، لكنه ليس الطبيعة بوصفها سلطة، بل واقع بشري مشترك: أننا نتألم، ونخاف، ونحتاج إلى غيرنا، ونعلم أن أفعالنا تؤثر في حياة سوانا، وأننا نموت. من هذا الواقع يصير تخفيف المعاناة وتوسيع الرعاية والعدل قيماً يمكن الدفاع عنها، لأنها تجعل العيش المشترك أقلّ قسوة وأصلح للازدهار. فالطبيعة ليست معلّماً للأخلاق، لكنها مادّتها: لا نستخرج منها ما ينبغي أن يكون، ولا نفكّر أخلاقياً خارجها. و«القرد الذي فهم الكون» لم يجد في فهمه إجابات نهائية، لكنه وجد نفسه ملزماً بصياغة إجاباته وهو يدرك أنها مؤقتة، قابلة للمراجعة، لكنها لا تُراجَع من فراغ، وإنما في ضوء ما نستطيعه: أن نجعل العالم أقلّ قسوة ممّا وجدناه.



