تتجلّى بين التصوّف والإبداع الفنّي علاقة وثيقة لم تُعالج بالرصانة والعمق اللذين تستحقّهما في الكتابة العربية المعاصرة، إذ يتقاطعان في نقاطٍ جوهرية تجعل منهما وجهَين لعملة واحدة. فالمبدع يحمل في داخله روح التصوّف، والمتصوّف يتّسم بالإبداع بوصفه جزءًا لا يتجزّأ من تجربته العرفانية. ينطلق كلاهما من التأمّل والنشاط الذهني ليصل إلى حالةٍ من الخلق والفناء، سواء في الأبعاد الروحية كما في التجربة الصوفية، أو في التأليف والإنتاج الفنّي كما في حالة الكاتب والفنّان. على أنّ ثلاثة من كبار الكتّاب العرب توقفوا عند هذه الصلة: قارب أدونيس التصوّف والسوريالية في «الصوفية والسوريالية» بوصفهما رؤيتين للعالم لا مذهبين في الكتابة، وتتبّع عاطف جودة نصر تجربة الصوفية من طريق رموزها الشعرية في «الرمز الشعريّ عند الصوفية»، وقرأ نصر حامد أبو زيد خيال ابن عربي بأدوات التأويل في «فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند إبن عربي». غير أنّ ما يعنينا هنا أضيق من ذلك وأدقّ: الفناء نفسه بوصفه ظاهرة مشتركة تقدح في لحظة الإبداع، عند الصوفيّ وعند الفنّان معًا.
يؤكّد الباحث الجزائري سعيد جاب الخير في كتابه «التصوّف والإبداع» أنّ التجربتين تنبعان من قلقٍ وجوديّ وحنينٍ إلى الخير والمطلق:
«كلا التجربتين (التصوف والإبداع) تبدآن من قلق وحنين إلى الخير، وإلى المطلق الذي ينطلق في فضاء الذات أو العالم الخارجي لهذا الذي نسميه الإنسان، ويسميه ابن عربي «العالم الأكبر»، أيضًا غالبًا ما يشترك كلٌّ من الصوفي والمبدع في الهدف، وهو خير الإنسان في تحقيق إنسانيته من خلال الحق والعدل والحرية والسلام والحب، في حالة المبدع الفنان عبر التأمل الجمالي، وفي حالة المبدع الصوفي عبر التأمل الديني العرفاني»
لكنّ طريق كلٍّ منهما يختلف: فحين يعبّر المبدع عن هذا التأمّل عبر الجمال الفنّي، يغوص الصوفي في التأمّل العرفاني ليحقّق الاتحاد بالمطلق.
فأسمى مرحلة روحية يصلها الصوفي هي الاتحاد بالله والفناء فيه، وأسمى مرحلة إبداعية يصلها الفنان هي الاندماج الكامل بعمله الإبداعي والفناء فيه، يذوب فيه حتى يصيرا شيئًا واحدًا، وينتج عن ذلك عملٌ إبداعي.
وما يدفع الصوفيّ إلى الرمز ذات السبب نفسه الذي يدفع الفنّان إليه: فالرمز إنّما يكثر في الدين والتصوّف والشعر والفنّ لأنّها مجالات تختلج فيها بالنفس أفكارٌ ومشاعر «يتعذر تعريفها بالحد العلمي الرياضي الحاسم»، فيصوّرها صاحبها في مجسّدات ممّا تألفه الحواسّ. هكذا يفسّر زكي نجيب محمود طريقة الرمز عند ابن عربي في «ترجمان الأشواق»، وهو المنحاز إلى العقل الوضعيّ. والحركة واحدة عند الصوفيّ وعند الفنّان: من باطنٍ إلى ظاهر.
يصف إبراهيم الكوني هذا الارتباط بقوله:
«لا يستطيع المبدع أن يبدع بدون تصوّف؛ بمعنى روح التصوّف ومحاولة اختراق الأشياء»
ويوافقه الرسّام وليد عبيد:
«لا ينبع الفنّ (الإبداع) إلّا من نقاء (حالة تصوّف)، فلو نافس الفنّان بشرًا، تملّكه العداء، وانقطعت عنه أخبار السماء»
ويشاركهما الرأيَ الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون (Henri Bergson):
«عين الفنان تملك مقدرة صوفية هائلة على الاتحاد بموضوعها»
أمّا الإعلامي وجدي الحكيم فيستشهد بتجربة رفيق دربه الموسيقار بليغ حمدي، ويقول إنّ سرّ عبقريته كان ذوبانه الكامل في اللحن خلال مراحل إنتاجه الأولى، حتى ما عاد يسمع المحيطين به ولا يراهم، فيكون في حالة ذوبانٍ وحضورٍ كامل مع العملية الإبداعية، تمامًا كحالة الفناء التي يفقد الصوفية فيها عالم الناس، فيعيشون في عالمٍ آخر، هو عالم الجمال المطلق، والخير المطلق، والحق المطلق.



