لنبدأ من الاعتراض لا من الفكرة.
في العقود الأخيرة نشأت صناعة كاملة حول تحويل الفشل إلى سلعة مُلهِمة. منصات «تيد TEDTalk»، وكتب التنمية البشرية، وخطابات رواد الأعمال في وادي السيليكون، تردّد اللازمة نفسها:
«أخفقْ بسرعة، أخفقْ كثيرًا، أخفقْ إلى الأمام»
صار الفشل موضة، وصار الحديث عنه أناقةً فكرية تُضفي على المتحدث هالة العمق والتواضع.
وتُخفي هذه الأناقة سؤالًا مقلقًا: هل نحتفي بالفشل فعلًا، أم بفشلٍ انتقائي مُؤطَّر بأثر رجعي، فشلٍ لا نرويه إلا بعد أن نكون قد نجحنا؟
الفشل المسكوت عنه
حين يقف إيلون ماسك ليتحدث عن إخفاقاته الأولى في «سبيس إكس SpaceX» فهو يرويها من موقع الملياردير الذي حقق حلمه. حكايته عن الفشل ليست اعترافًا بالضعف، بل توكيدٌ مُبطَّن للقوة:
انظروا كم كنتُ قريبًا من الهاوية، وانظروا أين أنا الآن.
فماذا عن الآلاف الذين أخفقوا الإخفاق نفسه ولم يصلوا؟ ماذا عن رائد الأعمال الذي أفلس ثلاث مرات ولا يزال مُفلسًا؟ ماذا عن الفنان الذي أمضى عمره يُحسِّن أدواته ومات مغمورًا؟ هؤلاء لا يُدعَون إلى منصات الإلهام، لأن قصصهم لا تصلح للاستهلاك؛ ليس فيها نهاية سعيدة تُبرّر الألم.
يلاحظ الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان في «مجتمع الإنهاك» أنّ ثقافتنا المعاصرة حوّلت كل شيء، بما فيه المعاناة، إلى مشروع إنتاجي. لم يعد مسموحًا أن تُخفق إخفاقًا خالصًا لا عائد منه؛ فحتى الألم يجب أن يُستثمَر وإلا فأنت مُقصِّر. وبهذا يصير «التعلم من الفشل» واجبًا إنتاجيًّا آخر، لا تحررًا منه.
متى يكون الفشل عقيمًا؟
ليس كل فشل يحمل درسًا. هذه حقيقة غير مريحة تتجنبها أدبيات الإلهام.
فمن الإخفاق ما ينتج عن ظلم بنيوي لا عن خطأ فردي: من وُلد في ظروف لم تمنحه أدوات اللعبة أصلًا. ومنه ما هو عشوائي تمامًا: حظّ سيّئ لا منطق فيه ولا درس. ومنه ما يبلغ من التدمير حدًّا يجعل التعلّم منه رفاهيةً لا يملكها صاحبه، لأنه مشغول بالنجاة عن التأمل.
وتُذكِّرنا الفيلسوفة جوديث بتلر في «الحياة الهشّة» بأنّ بعض الهشاشة لا تُبنى منها القوة، بل تُورَث وتتراكم. والفشل الذي تكرّره الأجيال يصبح بنية قمعية لا تجربة تعليمية.
وحين نقول للجميع «تعلَّموا من فشلكم» فنحن نفترض ضمنًا أنّ الجميع يملكون الموارد النفسية والمادية والاجتماعية للتعلّم، وهذا افتراض طبقي في جوهره.
الاحتفاء بالفشل بوصفه تبريرًا مُقنَّعًا
وللاحتفاء بالفشل خطر آخر أدقّ: أن يتحول إلى آلية دفاعية، إلى طريقة لإعادة صياغة الإخفاق دون مواجهته حقًّا.
حين يقول أحدهم «أنا لا أفشل، أنا أتعلّم» فقد يكون صادقًا، وقد يكون هاربًا من ثقل الاعتراف بأنه فشل فشلًا لا نهوض منه. الفرق دقيق وجوهري: في الحالة الأولى الفشل محطة عبور، وفي الثانية «التعلّم» قناع يُخفي الإنكار.
ميّزت المحلّلة النفسية ميلاني كلاين، في ورقتها التأسيسية «مساهمة في التكوّن النفسي للحالات الهوسية-الاكتئابية»، بين نوعين من استجابات الفقد والخسارة: استجابة اكتئابية ناضجة يواجه فيها الإنسان ألمه ويعترف به كاملًا، ويُدرك أنّ ما فقده كان يحمل خيرًا وشرًّا معًا؛ واستجابة فُصامية يشطر فيها الواقع يأخذ ما يريحه و يعزز صورته الذاتية ويُنكر ما لا يحتمله. وكثير مما يُسمّى «التعلم من الفشل» شطرٌ وإنكار: نأخذ من التجربة ما يريحنا ونُسقط ما يقلقنا.
في الحاجة إلى فينومينولوجيا للفشل
ما نفتقر إليه ليس مزيدًا من الدعوات للتعلم من الفشل، بل فهمٌ أعمق لطبيعة الفشل ذاته.
يتحدث الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في «الوجود والزمان» عن القلق (Angst) بوصفه اللحظة التي ينكشف فيها الوجود الإنساني لذاته، لحظةً يفقد فيها الإنسان الإحالات المألوفة التي يستند إليها عادةً. القلق بالمعنى الهايدغري لا موضوع له كما للخوف؛ فيه ينكشف لي أنّ كل ما أتعلّق به وأبني عليه هويتي قابل للسقوط.
والفشل العميق يفعل شيئًا مشابهًا: يسحب من تحتك الأرض التي كنت واقفًا عليها. كنتَ تُعرِّف نفسك بمشروعك، أو بدورك، أو بإتقانك حرفةً، فيُخفق المشروع أو يسقط الدور أو تنكشف حدود إتقانك، فلا تخسر إنجازًا فحسب، بل تُواجه سؤالًا أعمق:
مَن أنا إذا لم أكن هذا الشخص؟
وليس كل فشل يبلغ هذا العمق، لكنّ الإخفاقات الوجودية، تلك التي تمسّ الهوية لا الأداء. وهذا ما يفسّر استعصاء بعض الإخفاقات على «استخلاص الدرس»: فالمسألة ليست درسًا يُضاف إلى المعرفة، إنما شرخٌ في تصوّر الذات لذاتها.
سيرة الفشل: التمرين وحدوده
يطرح دانيال بينك، في «قوة الندم: كيف يُساعدنا النظر إلى الوراء على المُضي قُدُمًا»، توثيقَ الإخفاقات تمرينًا على استخلاص الحكمة من الماضي. يقترح أن نجمع إخفاقاتنا كلها، وأخطاءنا، وعثراتنا التي ارتكبناها طوال حياتنا، ثم نكتب بإزاء كل واحدة الدرس الذي علّمتنا إياه.
والتمرين ذو قيمة بلا شك، لكن لا بدّ من فهم حدوده. هو يصلح للإخفاقات القابلة للتأطير: أخطاء القرار، وسوء التقدير، ونقص المعرفة. أما الإخفاقات التي تمسّ الهوية فتحتاج إلى ما هو أكثر من جدولٍ بعمودين.
وتُميِّز كارول دويك في «العقلية: علم النفس الجديد للنجاح» بين «عقلية الثبات» التي ترى القدرات فطرية غير قابلة للتغيير، و«عقلية النمو» التي ترى أنها تُبنى بالجهد والتعلم. لكنها عادت فحذّرت من الفهم التبسيطي لنظريتها؛ ففي مقابلة مع مجلة The Atlantic عام ٢٠١٦ بعنوان «كيف أصبح المديح جائزة ترضية» أشارت إلى أنّ الفكرة تحولت في الخطاب الشائع إلى صيغة ساذجة: «فقط غيِّر طريقة تفكيرك». والواقع أعقد؛ فتغيير العقلية مسار طويل تحكمه شروط مادية ونفسية واجتماعية، لا قرار لحظة.
الفشل البنيوي والفشل الفردي
يغيب عن معظم نقاشات الفشل بُعدٌ واحد: البعد البنيوي.
حين نتحدث عن «ليالي الفشل» وسِيَر الإخفاق فنحن في الغالب نتحدث عن أفراد أخفقوا في سياق أتاح لهم المحاولة أصلًا. وليس كل إخفاق ينتمي إلى الفرد؛ فمنه ما ينتمي إلى النظام الذي يعمل فيه: أنظمة تعليمية تُخرِج أجيالًا غير مؤهلة، واقتصادات تخنق المبادرة، وثقافات تعاقب على الخروج عن المألوف.
حين يُخفق طالب من حيّ فقير في اجتياز امتحان صُمِّم لطلاب من طبقة أخرى، فهل أخفق هو أم أخفق النظام؟ وحين تُخفق امرأة في بيئة تُغلق أمامها الأبواب، هل الفشل فشلها؟
يلاحظ المفكر المصري جمال حمدان في «شخصية مصر» كيف تُشكّل البنى الجغرافية والاجتماعية مسارات الأفراد مسبقًا بطرقٍ لا يملكون التحكم فيها، فيرث الفرد موقعه في اللعبة قبل أن يخطو فيها خطوة، ثم يُحاسَب على نتيجته وحده. وتطرح الفيلسوفة الأمريكية إيريس ماريون يونغ في «العدالة وسياسات الاختلاف» (Justice and the Politics of Difference, ١٩٩٠) مفهوم «الظلم البنيوي»: ظلمٌ لا يحتاج إلى فاعل شرير، فهو حصيلة ممارسات تبدو بريئةً بذاتها وتُنتج حرمانًا منهجيًّا. وكثير مما نسمّيه فشلًا فرديًّا هو في الحقيقة أثرٌ لظلمٍ بنيوي.
ما الذي يستحق أن يُروى؟
طرحت حركة «ليالي الفشل» (Fuckup Nights) التي انطلقت من مكسيكو سيتي عام ٢٠١٢ سؤالًا مشروعًا: لماذا لا نسمع إلا قصص النجاح؟ لكنّ إجابتها ظلّت جزئية؛ فقد استبدلت برواية النجاح روايةَ فشلٍ مُهذَّب، فشلٍ يصلح للسرد في أمسية أنيقة أمام جمهور يصفّق.
وتبقى قصص لا تُحكى في هذه الأمسيات: إخفاقات مُخجلة حقًّا لا بطولة فيها، وإخفاقات لم يُستخلص منها درس، وإخفاقات ما زالت جروحًا مفتوحة. هذه القصص لا تصلح للاستهلاك، وهي أصدق تمثيلًا للتجربة الإنسانية.
أمضى الروائي السوداني الطيب صالح سنوات في لندن يكتب عن قريته في شمال السودان، وعن بحثٍ مستمرّ عن موطنٍ لم يعد موجودًا كما كان. وفي «موسم الهجرة إلى الشمال» يبقى التمزق بين عالمين حالًا لا خلاص منها، لا درسًا ولا رحلة نمو؛ فمصطفى سعيد تسحقه تجربته ولا يتعلّم منها. والرواية لا تنتهي بحكمة مستخلَصة، إنما بسؤال معلّق وراوٍ يصرخ طلبًا للنجدة وهو يغرق في النيل، رفضًا صريحًا لأي محاولة لتحويل الكارثة إلى عبرة.
وكان الكاتب النمساوي توماس برنهارد، أحد أشدّ الأصوات الأدبية مرارةً في القرن العشرين، يرفض في رواياته مثل «الانقراض» كل تجميل للمعاناة وكل عبرة تُستخرج منها. الألم في عالمه ألم، والفشل فشل، بلا خلاص ولا عزاء.
وبين موقف برنهارد الرافض لأي معنى، وموقف ثقافة الإلهام التي تستخرج معنًى من كل شيء، موقفٌ ثالث أشدّ تواضعًا: الاعتراف بأنّ بعض الإخفاقات يحمل دروسًا، وبعضها لا يحمل إلا ألمًا يحتاج حِدادًا لا تأويلًا. والتمييز بينهما ليس سهلًا، ويتطلب صدقًا مع النفس لا نملك ضمانة أننا نملكه.
نحو فهم أعمق
ما الذي يمكن قوله إذن؟
أولًا: الفشل ليس شيئًا واحدًا. منه البنّاء ومنه العقيم، ومنه ما يُعلِّم وما يُدمِّر، ومنه ما يُورَث جيلًا بعد جيل. والحديث عن «الفشل» بصيغة المفرد تبسيط.
ثانيًا: القدرة على التعلم من الفشل ليست فضيلة فردية خالصة، فهي أيضًا امتياز يتوقف على شروط. من يملك شبكة أمان يستطيع أن يُخاطر ويتعلّم من إخفاقه، ومن لا يملكها قد لا ينهض من السقطة الأولى.
ثالثًا: الاحتفاء المعاصر بالفشل يحتاج نقدًا ذاتيًّا. هل نُعيد فعلًا تعريف علاقتنا بالإخفاق، أم نُعيد تغليفه ليناسب ثقافة الإنتاجية؟ أنتعلّم من الفشل أم نستثمره؟
رابعًا: بعض الإخفاقات لا يحتاج استخلاص درس، إنما يحتاج حِدادًا. وحين نفقد ما لا يُعوَّض تكون الاستجابة الإنسانية السليمة هي الحزن الذي يأخذ وقته، لا صياغة «الدرس المستفاد».
في مديح التواضع أمام الفشل
لعلّ أصدق ما يمكن قوله عن الفشل أننا لا نفهمه تمامًا.
نعرف أنّ بعض الإخفاقات أنتج اكتشافات عظيمة، وأنّ بعضها أنهى حيوات وأحلامًا. ونعرف أنّ من الناس من ينهض أقوى، ومنهم من لا ينهض أبدًا. لكننا لا نملك صيغة تُميّز مسبقًا أيّ الإخفاقات بذرة وأيّها قبر.
اكتب سيرتك الذاتية للفشل إن شئت، واكتبها بتواضع. اكتبها مدركًا أنّ بعض السطور ستحمل دروسًا واضحة: أخطاء قرار وسوء تقدير ونقص معرفة يمكن تداركه، وهذه إخفاقات قابلة للتعلّم. وبعضها ستحمل أسئلة لا تزال بلا إجابة: إخفاقات تكشف حدودك دون أن تخبرك كيف تتجاوزها، أو تضعك أمام مفترقات لا تعرف أيّها الصواب. وسطورٌ لن يبقى منها إلا الندوب: خسارة لا درس فيها، تحتاج حِدادًا لا تأويلًا.
والأهمّ: اكتبها مدركًا أنّ القدرة على التعلّم نفسها ليست فضيلة خالصة، بل امتياز يتوقف على ظروف. من يملك شبكة أمان يستطيع التجريب والخطأ والتعلّم، ومن لا يملكها قد يكون الإخفاق الأول هو الأخير.
ولعلّ هذا هو الدرس الوحيد الذي يستحق التعميم: أن نكفّ عن الإصرار على استخلاص درس من كل شيء، وأن نتعلّم أحيانًا مجرد الوقوف أمام ما حدث، شاهدين لا مفسّرين.



