حين تسأل شخصًا عن سبب إيمانه أو عدمه، غالبًا ما يأتيك جوابٌ يبدو مبنيًّا على تجربة شخصية خالصة — قناعة توصّل إليها بنفسه، أو تجربة مرّ بها، أو استنتاج بلغه بعد تأمّل. لكنّ علم الأديان يطرح سؤالًا أشدّ إقلاقًا:
هل هذه القناعة «قناعتك» فعلًا، أم أنّ بيئتك وتركيبة دماغك قرّرتا ذلك قبلك بوقت طويل؟
حين تُنتج قساوة الحياة إيمانًا
أجرى فريق من الباحثين، بينهم عالم الأديان جوزيف بولبوليا، مسحًا واسعًا شمل ٥٨٣ مجتمعًا تقليديًّا حول العالم، وانتهى إلى نتيجةٍ ملفتة: كلّما اشتدّت ندرة الموارد وتصاعدت المخاطر البيئية، ارتفع شيوع الإيمان بالإله الأخلاقيّ المتعالي — الإله المهيمن على شؤون المخلوقات الذي يراقب ويحاسب ويتدخّل. فالمجتمعات التي تعيش على حافة الخطر تحتاج نظامًا أخلاقيًّا يفرض نفسه حتى حين تغيب الرقابة البشرية، والإله المتعالي يؤدّي هذه الوظيفة بكفاءة لا يضاهيها نظام بشريّ.
والفكرة ليست جديدة تمامًا؛ فقد لاحظ المفكّرون منذ القدم أنّ الإنسان يتذكّر ربّه حين تضيق به السبل. الجديد شاهدٌ تجريبيّ ممنهج عبر ثقافات متباينة، ينقل الملاحظة الفلسفية من حدس المتأمّل إلى ما يقبل الفحص.
وللشاهد حدوده. فتصنيف «الإله الأخلاقيّ» في الأطالس الإثنوغرافية فضفاض يجمع تحت اسم واحد تصوّرات شديدة التباين، والتلازم بين البيئة والاعتقاد لا يحسم اتّجاه السببية: هل أنتجت قساوة الحياة الإله المهيمن، أم أنّ المجتمعات التي ورثت هذا الإله كانت أقدر على البقاء في مثل هذه الظروف، فوصلت وحدها إلى زمن الباحثين واندثر سواها؟ الدراسة تقيس الاقتران ولا تفسّره.
على أنّ التفسير البيئيّ يخلّف سؤالًا معلّقًا: ماذا يحدث حين تزول قساوة الحياة؟ هل يزول معها الإيمان، ويصير إنسان الرخاء والأمان أقلّ أخلاقًا؟ وهذا ما ذهب فيل زوكرمان يبحث فيه.
اللاديني الأخلاقي
انطلق زوكرمان من ملاحظة بسيطة: المجتمعات الأكثر رخاءً وأمانًا أقلّ تديّنًا — فهل هي أقلّ أخلاقًا؟ ودرس الأسر غير المتديّنة في الدنمارك والسويد: كيف تربّي أبناءها، وكيف تواجه الموت والشدائد، وعلى أيّ أساس تقوم قيمها. فوجد حياةً أخلاقية متماسكة قائمة بذاتها، لا تنتظر رقيبًا متعاليًا يفرضها، ولا تشكو من غيابه.
ولم تكن النتيجة هجومًا على الدين؛ كانت سؤالًا: من أين تأتي الأخلاق إذا غاب الإله المهيمن؟ هل هي أعمق من الدين، أم كان الدين وعاءها لا جوهرها؟ ورأى زوكرمان أنّ السؤال يستحقّ مؤسسة، فأسّس في كلّية بيتزر بكاليفورنيا أوّل قسم للدراسات العلمانية في الولايات المتحدة.
ماذا لو كان الدين في الدماغ أصلًا؟
وهنا يعترض تفسيرٌ آخر على التفسير البيئيّ من أساسه. فإن كان العقل البشريّ مهيّأً للدين ابتداءً، لم تعد البيئة تفسّر الإيمان نفسه، وإنما تفسّر صورة الإله الذي يُتخيَّل: مراقبٌ محاسب، أم غافلٌ عن شؤون البشر.
يرى روبرت ماكولي في «لماذا الدين طبيعي والعلم ليس كذلك» أنّ العقل يستوعب التصوّرات الدينية أيسر ممّا يستوعب المنطق العلمي، لأنّ الدين يخاطب الحدس الفطريّ مباشرةً — الأنماط والنوايا والعلاقات — بينما يطلب العلم عمدًا مقاومة هذا الحدس ومراجعته. التديّن لا يحتاج تعليمًا منظّمًا لأنه يسير مع تيّار الدماغ، والعلم يسير عكسه.
ويرصد جاستن باريت في «مؤمنون منذ الولادة» شاهدًا على ذلك: الأطفال، في مراحل مبكّرة وقبل أيّ تنشئة دينية منظّمة، يميلون فطريًّا إلى افتراض كيانٍ أعلى، فاعلٍ عن نيّة وقصد لا عن آلية. حين يرى الطفل ظاهرة طبيعية، يبحث تلقائيًّا عمّن فعلها، لا عن كيف حدثت. فالفاعل يسبق الآلية، وهذه هندسة لا تعليم.
الشوق حين يُحجب
ويذهب آرا نورنزايان في «الآلهة الكبرى» إلى ما هو أعمق: أشدّ ما يطلبه الناس الخلاص من المعاناة، وفي تركيبهم النفسيّ ما يشدّهم إلى المفارق للطبيعة. فإذا حُجبت هذه الوجهة عن الوعي بفعل تربية علمانية، لم يُحجب معها الشوق، والتمس لنفسه مخرجًا آخر.
والشاهد الأقرب من الشمال الأوروبيّ نفسه. فالدنماركيون والسويديون الذين درسهم زوكرمان لم يُعلنوا إلحادًا ولم يخرجوا من كنائسهم: عُمِّدوا، وتزوّج كثيرون منهم فيها، وظلّوا يسمّون أنفسهم مسيحيين وإن أنكروا أكثر تعاليمها. تخلّوا عن المضمون واحتفظوا بالشكل. وأظهر مسحٌ دنماركيّ واسع أنّ ثلثَي المشاركين فيه بلا اعتقاد دينيّ، وأنّ الإيمان بالأرواح والملائكة والتخاطر باقٍ فيهم على ذلك، وأنّ طول التعليم لا يكاد يزحزحه. فما بقي ليس دينًا، بل استعدادٌ فطريّ لا تمحوه العلمنة وإن كبحته.
لكنّ القول بهذا الاستعداد يحتاج حدًّا يقف عنده. فأطروحةٌ تجد الدين في كلّ ما يفعله الناس لا تقول شيئًا عن الدين: ليس كلّ بحثٍ عن المعنًى دينًا مقنّعًا. والحدّ أن يؤدّي هذا البحث ما يؤدّيه الدين: أن يقول لصاحبه إنّ وراء ما يجري نظامًا لا صدفة، وإنّ ثمّة قوّة يمكن أن تُخاطَب وتُستعطف، وإنّ في الأمر خلاصًا من المعاناة. الأبراج تَعِد بهذا كلّه؛ وحبّ فريقٍ رياضيّ لا يَعِد بشيء منه.
ويبقى السؤال الأوّل. وأخطر ما قد يُستدرَج إليه القارئ هنا أن يظنّ أنّ الاعتقاد متى وُجد له سببٌ بطل اختياره. وهذه قفزة منطقية: لأفكارنا كلّها أسبابٌ سابقة عليها، ولو أبطلت الأسبابُ اختيارنا لبطل مع الإيمان إنكارُه، ولسقط هذا المقال معهما. البيئة والدماغ يبيّنان منشأ هذا الاستعداد؛ أمّا مقاومته فشأن آخر. وغاية ما تقوله هذه الأبحاث أنّ منطلقنا ليس محايدًا، وأنّ ما نحسبه استنتاجًا خالصًا كثيرًا ما يكون تصديقًا لما كنّا مهيّئين لتصديقه.
فلعلّ السؤال الأجدر بالطرح ليس «هل تؤمن؟»، بل «بماذا يؤمن من يظنّ أنه لا يؤمن؟»
المراجع
Botero, C. A., Gardner, B., Kirby, K. R., Bulbulia, J., Gavin, M. C., & Gray, R. D. — The Ecology of Religious Beliefs — PNAS, 2014
https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1408701111
Zuckerman, Phil — Society Without God — New York University Press, 2008
McCauley, R. N. — Why Religion Is Natural and Science Is Not — Oxford University Press, 2011
Barrett, J. L. — Born Believers: The Science of Children’s Religious Belief — Free Press, 2012
Norenzayan, A. — Big Gods: How Religion Transformed Cooperation and Conflict — Princeton University Press, 2013
Steinfels, Peter — Scandinavian Nonbelievers, Which Is Not to Say Atheists — The New York Times, Feb 2009
https://www.nytimes.com/2009/02/28/us/28beliefs.html
Christensen, K. R. & Clasen, M. — Evolved Minds in a Secular World: A Large-Scale Survey of Supernatural Beliefs in Denmark — Evolutionary Behavioral Sciences, 2025



