سؤالُ ما إذا كان العلم في أساسه فهمًا للعالم أم مجرّد تنبّؤ بما سيقع يمسّ طبيعة المعرفة العلمية نفسها. وقد يبدو التمييز أوّل الأمر مفتعلًا: النظرية الناجحة تتنبّأ بالظواهر، وحُسنُ تنبّئها يوحي، لهذا السبب عينه، بأنها تخبرنا بشيء عن طريقة عمل الطبيعة. غير أنّ التنبّؤ والفهم ليسا شيئًا واحدًا؛ فقد تُخرج النظرية نتائج بالغة الدقّة وتترك السؤال معلّقًا: أيّ واقعٍ ذاك الذي يمكن أن يُنتج مثل هذه النتائج؟
وكان هذا التمييز في صميم فكر ديفيد بوهم، الفيزيائي النظري وفيلسوف العلم الذي صار من أكثر مفكّري القرن العشرين أصالةً وأبعدهم أثرًا. اشتهر بعمله في نظرية الكم، لكنّ أسئلته تجاوزت الفيزياء التقنية إلى طبيعة الواقع، وحدود النظريات العلمية، وتشظّي المعرفة (fragmentation)، ودور الفكر في تشكيل ما نقدر على رؤيته. ولم تكن هذه الأسئلة عنده مجرّد زينةٍ فلسفية تُضاف إلى العلم من خارجه، بل من صلب مهمّته الأعمق.
النظرية طريقةٌ في النظر
ولا غنى للعلم عن التنبّؤ: بغيره تنقطع صلة النظرية بما يقع في التجربة. لكنّ نظريةً تصيب في تنبّؤاتها كلّها قد تترك السؤال عن طبيعة العالم بلا جواب.
فالعلم عند بوهم محاولةٌ لاكتشاف أنظمة في الطبيعة يستطيع العقل أن يفهمها، مع البقاء على وعي بأنّ كلّ نظرية ضربٌ محدود من البصيرة (insight)، لا صورةٌ نهائية للواقع.
ومنطلق هذه الدعوى إعادةُ النظر في معنى النظرية نفسها. ففي «الكلّية والنظام المنطوي» (Wholeness and the Implicate Order) لا يعامل بوهم النظرية وصفًا حاسمًا للعالم، وإنما طريقةً في النظر: فهي تُبرز بعض العلاقات بين الظواهر وتترك سواها في الظلّ. وهي لا تجمع الوقائع وتضغطها في معادلات وحسب، إنما تنظّم الإدراك، وتؤثّر فيما يلاحظه العلماء، وما يعدّونه ذا دلالة، وفي الأسئلة التي يمكن صوغها، والتجارب التي تستحقّ أن تُجرى.
فالنظرية إذن ليست مرآةً شفّافة للطبيعة ولا مجرّد أداة حساب؛ إنها تقف بين العالم ومحاولاتنا فهمه.
ماذا يوجد خلف الحساب؟
وميكانيكا الكم تجعل التمييز حادًّا على نحوٍ غير معتاد. فقليلٌ من نظريات تاريخ العلم بلغ ما بلغته من نجاح في التنبّؤ؛ يتيح جهازها الصوريّ (formalism) للفيزيائيين حساب الاحتمالات وتوقّع نتائج التجارب بدقّة هائلة. لكنّ معرفة كيف تُحسب النتيجة شيء، ومعرفة أيّ عملية فيزيائية تجعلها ممكنة شيء آخر. فقد يُتقن المرء الجهاز الصوريّ وهو غير واثق من الواقع الذي يصفه.
ولم يكن هذا عند بوهم حرجًا فلسفيًّا هامشيًّا؛ كان مشكلة علمية.
وقد جسّد عملُه في نظرية الكم هذا الاقتناع. ففي عام ١٩٥٢ وضع تأويلًا سببيًّا (causal interpretation) لميكانيكا الكم يعيد إنتاج التنبّؤات التجريبية للجهاز الصوريّ المعياريّ ويقدّم في الوقت نفسه صورة مختلفة للعملية الفيزيائية الكامنة. ولم تكن أهمية الاقتراح في مجرّد إضافة تأويلٍ آخر، بل في أنه أثبت أنّ نجاح ميكانيكا الكم في التنبّؤ لا يُغلق وحده السؤال عن نوع الواقع الذي قد يقوم تحت الجهاز الصوريّ. كان في الوسع بناء بديلٍ متماسك.
وتسهل إساءة فهم المقصود. فبوهم لم يكن يُلزم كلّ نظرية ناجحة بأن تُستكمل بصورة كلاسيكية، ولا كان يرفض ببساطة ما يُسمّى على وجه التقريب تأويل كوبنهاغن (Copenhagen interpretation). اعتراضه الأعمق على افتراضٍ آخر: أنّ كفاية التنبّؤ قد استنفدت الأسئلة العلمية المشروعة. فإذا أمكن أكثر من تفسيرٍ متماسك أن يعيد إنتاج النتائج المرصودة نفسها، فنجاح التنبّؤ وحده لا يحدّد كيف ينبغي أن تُفهم الطبيعة.
وهذا قريب ممّا يناقشه فلاسفة العلم تحت عنوان التحديد الناقص بالأدلّة (underdetermination): أن تعجز الشواهد، إلى حينٍ على الأقلّ، عن ترجيح تفسيرٍ نظريّ واحد. لكنّ ما شغل بوهم أبعد من المسألة المجرّدة، مسألةِ الاختيار بين نظريات متكافئة تكافؤًا دائمًا. فالبنية النظرية الأقدر على جعل الظواهر مفهومة قد تقترح أسئلة جديدة، أو تكشف علاقات لم تُلحَظ، أو تفضي آخر الأمر إلى تجارب في مجالات ينهار فيها التكافؤ الظاهر. الفهم قد يغيّر الحقل التجريبي نفسه.
ولهذا كان للفهم عنده طبيعة مولِّدة: فالنظرية العميقة لا تحلّ المشكلات القائمة وحسب، إنها تغيّر ما يمكن أن يُتصوَّر من مشكلات أصلًا.
بوبر: حتى التكذيب يحتاج إلى فهم
ويزداد التمييز حدّةً حين يلتفت بوهم إلى كارل بوبر. وسجّل لبوبر أنه أعاد سؤال الحقيقة إلى فلسفة العلم، بعد تقاليد كانت تستبدل به معايير إجرائية أكثر فأكثر: التحقّق، والنجاح العمليّ، وفاعلية التنبّؤ. لكنه رأى أنّ القابلية للتكذيب (falsifiability)، إن أُخذت على وجهٍ مبسَّط، قد تعيد المشكلة نفسها في صورة أخرى.
فالتجارب لا تفسّر نفسها.
ونادرًا ما تسقط نظريةٌ واسعة النطاق بنتيجةٍ واحدة شاذّة؛ إذ يمكن تعديل الفروض المساعدة، أو إعادة النظر في شروط التجربة، أو ضبط أجزاء من البناء النظري. ولا تصير النتيجة حاسمة حقًّا إلا حين يفهم العلماء أين يقع موضع الإشكال في الموقف بمجمله.
وتجربة مايكلسون ومورلي مثالٌ كاشف. فقد وُضعت لرصد أثر حركة الأرض في سرعة الضوء، ولم تجد شيئًا. ولم تُنتج هذه النتيجة السالبة بذاتها التحوّل المفهومي المقترن بالنسبية، بل استُوعبت أوّل الأمر بمحاولات للإبقاء على الإطار القديم، ولم تتبيّن دلالتها الأعمق إلا داخل مراجعةٍ أوسع للمكان والزمان والحركة وبنية القانون الفيزيائي. والمهمّ ليس أنّ التجربة أخفقت في تأكيد توقّع، بل أنّ إطارًا مفهوميًّا جديدًا أتاح آخر الأمر أن نرى لماذا صارت الصورة القديمة غير وافية.
ويقود هذا إلى دعوى أقوى من القول المألوف بأنّ التنبّؤ والفهم متكاملان. فالتنبّؤ لا يعجز عن استنفاد الفهم فحسب؛ بل إنّ تأويل التنبّؤات واختبارها وتكذيبها لا يجري إلا بفهمٍ سابق للموقف.
وما لم يفهم المرء الموقف التجريبي والمفهوميّ على تمامه، لم يعرف بعدُ ما الذي تأكّد، وما الذي أخفق، وما الذي ينبغي أن يُراجَع.
ولذلك لا يمكن الفصل بين الحقيقة والفهم فصلًا واضحاُ؛ فبوهم يعدّهما وجهين لا ينفصلان لحركةٍ واحدة من البحث. وهذا يجعل موقفه أشدّ جذريةً من مذهبٍ بسيط في المعرفة المؤقّتة: فهو يرفض القول بأنّ الحقيقة نسبية إلى إطارها، ويرفض معه فكرة حقيقةٍ مطلقة تامّة تنتظرنا في آخر مسار التقدّم العلمي كما هي، لم يمسّها شيء. الحقيقة العلمية عليها أن تبقى مستجيبةً لتغيّر الموقف بمجمله، بما في ذلك تغيّر المفاهيم والمناهج التي يُبحث بها.
وهذا لا يعني أنّ الحقيقة اعتباطية. العالم يقاومنا: التجارب تخفق، والتنبّؤات تنهار، وظواهر غير متوقّعة تفرض مراجعاتٍ لم يردها العلماء. الواقع يقيّد الفكر. غير أنّ التقييد شيء والانكشاف شيء آخر؛ فكون الطبيعة تصحّح نظرياتنا لا يعني أنّ نظريةً ناجحة تمنحنا رؤيةً غير مقيّدة لما هي عليه.
أن تعمل النظرية وهي تُخفي حدودها
ومن هنا ينبع نقده للأداتية (instrumentalism). فالأداتية في أقوى صورها تعدّ النظريات أدواتٍ لتنظيم المشاهدات وإنتاج تنبّؤات موثوقة، وجاذبيتها ظاهرة: تحمي العلم من تخمينٍ بلا ضابط، وتُلزم النظريات بأن تبقى مسؤولة أمام الشواهد. وبوهم يقبل الحاجة إلى هذا الانضباط؛ الذي يقاومه هو الخطوة التالية، حين تصير الفاعلية التقنية مقياسًا لمعنى العلم نفسه.
فقد تعمل النظرية عملًا باهرًا وهي تُخفي حدود النظام المفهومي الذي تشتغل داخله.
ولهذا في تاريخ الفيزياء شواهد كثيرة. فميكانيكا نيوتن لم تكن ثوريةً لأنها تنبّأت بحركة الأجسام فحسب، بل لأنها كشفت نظامًا جديدًا يربط الظواهر الأرضية بالسماوية. والنسبية لم تكتفِ بتحسين حسابات بعينها، فقد غيّرت مفاهيم المكان والزمان والتزامن والقياس. ونظرية الكم غيّرت التنبّؤ ومعه مسلّماتنا عن الانفصال والسببية والقياس واستقلال الأجسام الفيزيائية.
فالثورات العلمية ليست مكاسب في دقّة التنبّؤ فحسب؛ إنها تغيّرٌ في ما يصير قابلًا للفهم.
ولهذا يرفض بوهم تصوير العلم زحفًا خطّيًّا نحو نظرية نهائية. فالنظرية قد تكشف وجهًا حقيقيًّا من الواقع دون أن تستنفده. ولا تزال ميكانيكا نيوتن قوية في مجالها وإن أظهرت النسبية أنّ بناءها المفهومي لا يفي بكلّ المجالات. والدرس أبعد من أنّ نيوتن أخطأ وأنّ أينشتاين أصاب: فضربٌ من البصيرة بدا شاملًا يومًا ثمّ تبيّن أنه محدود.
وإنّما الخطر أن يكفّ ضربٌ ناجح من البصيرة عن أن يُرى نظريةً، فيُطابَق بالواقع نفسه.
حين يتحوّل المنهج إلى صورة للعالم
والتفكير الميكانيكي (mechanistic thinking) من أوضح أمثلته على ذلك. فقد بلغ العلم الحديث نجاحًا هائلًا بتحليل الأنظمة إلى أجزائها ودراسة تفاعلاتها، وكان المنهج من النجاح بحيث تصلّب شيئًا فشيئًا حتى صار مسلّمة ميتافيزيقية: تُصوَّر الحقيقة نفسها مؤلَّفة في أساسها من عناصر قائمة كلٌّ منها على حدة، يمكن من حيث المبدأ ضبط سلوكها ضبطًا تامًّا عبر علاقاتها الخارجية.
انقلب المنهجُ أنطولوجيا (ontology).
واعتراض بوهم ليس على التحليل؛ فالتحليل لا غنى عنه. والخطأ أن نظنّ الطريقة التي نبحث بها هي بنية الأشياء نفسها.
ونظرية الكم والنسبية أعطتا، في رأيه، ما يدعو إلى مساءلة تلك المسلّمة، إذ أوحتا بأنّ للعلاقات والسياقات والكلّيات دلالةً لا تُردّ دائمًا إلى أجزاء قائمة كلٌّ منها بذاته. ومن هذا الهمّ نبع بحثه في الكلّية (wholeness) والنظام المنطوي (implicate order): لا دعوةً إلى استبدال صورة تامّة بأخرى، وإنما محاولةً لتطوير مفاهيم أليق بضروبٍ من النظام تعجز المقولات الميكانيكية عن التعبير عنها.
وهنا تلتقي فلسفة العلم عنده بتحليله الأوسع للفكر. ففي «الفكر بوصفه منظومة» (Thought as a System) ليس الفكر أداةً منفعلة تنقل ما هو قائم، إنما هو شريكٌ في تشكيل الإدراك والمعنى والفعل. والفكر العلمي ليس استثناءً: فالمفاهيم الموروثة تؤثّر فيما يلاحظه العلماء، وما يغفلون عنه، وما يقيسونه، وما يعدّونه مشكلةً ذات معنى.
وليس في هذا ردُّ العلم إلى النسبوية. فبوهم لا يقول إنّ الفكر يخلق الواقع كيف شاء، وإنما إنّنا لا نبلغ الواقع إلا بمفاهيمنا، وإنّ هذه الوساطة نفسها يجب أن تبقى موضع فحص.
ولذلك يطلب العلم انضباطًا من نوع خاصّ: أن يستعمل المفاهيم دون أن ينسى أنها مفاهيم.
وهنا تصير القدرة على الإبداع ضرورية. ففي «العلم والنظام والإبداع» (Science, Order, and Creativity) يرفض بوهم ردَّ التقدّم العلمي إلى تطبيق مناهج ثابتة. فالتقدّم الجذريّ كثيرًا ما يقع حين يفقد نظامٌ قديم معناه ويبدأ نظام آخر في الظهور. ومثل هذه اللحظات تطلب أكثر من الاستنباط؛ تطلب حساسيةً للتناقض والشذوذ ولحدود الإطار المفهومي نفسه.
والفهم مهمّ لأنه قد يعيد ترتيب حقلٍ بأكمله قبل أن يثمر ذلك الترتيب مجموعة كاملة من التنبّؤات الجديدة.
وليس في هذا إضعافٌ للعلم التجريبي؛ فيه تفسيرٌ لكيفية تغيّره.
ما الذي يجعل النظرية أعمق من تنبّؤها؟
ولنفترض نظريتين تُخرجان، في طورٍ بعينه من البحث، التنبّؤات التجريبية نفسها. فلو كان التنبّؤ غاية العلم الوحيدة لما بقي سببٌ يُذكر لتفضيل إحداهما. لكن هب أنّ إحداهما تكشف صلات مرّت دون ملاحظة، وتولّد مفاهيم جديدة، وتقترح ضروبًا جديدة من التجارب، وتجعل ظواهر كانت معزولة مفهومةً داخل بنية واحدة، بينما تكتفي الأخرى بإعادة إنتاج النتائج المعروفة.
قد تتكافأ النظريتان تنبّؤًا في تلك اللحظة، ولا تتكافآن في كلّ ما يُعتدّ به علميًّا.
فالنظرية قد تكون ذات قيمة بما تتيح لنا رؤيته في الخطوة التالية.
هل الطبيعة مفهومة أصلًا؟
لكنّ موقف بوهم يصطدم هنا بصعوبة جادّة: لماذا يُنتظر أن تكون الطبيعة مفهومة بمقاييس في متناول البشر؟ فالإدراك البشري نشأ في نطاق ضيّق من المقاييس والشروط، وقد يكون من غير المعقول أن نطلب من الواقع الكمّي مثلًا أن يوافق أنماطًا من الفهم تبدو لنا طبيعية.
ووزن الاعتراض أنّ بوهم كثيرًا ما يصف الفهم بلغة النظر والبصيرة والإمساك بالكلّ، وهي لغة قد توحي بأنّ ما يمكن فهمه لا بدّ أن يصير مألوفًا للحدس على نحوٍ ما.
غير أنّ الألفة ليست المعيار الذي يطلبه. فالفهم لا يعني حشر الغريب في المقولات الكلاسيكية، وإنما اكتشاف نظام متماسك قادر على توليد علاقات وتمييزات وإمكانات جديدة. ومن ثمّ قد تكون النظرية بعيدة عن الكلاسيكية بعدًا شديدًا وهي تزيد الفهم.
والسؤال الأصعب: هل يفسّر النظام المفهومي المقترح تفسيرًا حقيقيًّا، أم يقدّم مظهر التفسير؟ ولهذا وزنٌ خاصّ في فكرة النظام المنطوي عند بوهم نفسه؛ فهو يعرضها أحيانًا صورةً أو استعارة تجعل الكلّية الكمّية أقرب إلى الفهم، ثمّ يحاول في أعماله المتأخّرة، وبخاصّة مع باسل هايلي (Basil Hiley)، أن يطوّرها إطارًا أنطولوجيًّا أصرح.
وهذا الانتقال يثير سؤالًا فلسفيًّا حقيقيًّا: عند أيّ حدّ يصير التصوّر الاستكشافيّ للكلّية أنطولوجيا مفسِّرة فيزيائيًّا؟
والسؤال ينبغي أن يبقى مفتوحًا. ففلسفة بوهم في أقوى حالاتها حين تقاوم إغراء تحويل مفاهيمها إلى إجابات نهائية.
وتصوّره للعلم واقعيّ بهذا المعنى بالضبط: ثمّة عالمٌ مستقلّ عن رغباتنا وأوصافنا، وهو يقيّد ما يسوغ أن يُقال عنه. ومع ذلك تبقى النظريات ضروبًا جزئية من البصيرة في نظامٍ قد يفوقها دائمًا.
فالفهم العلمي ليس امتلاكًا ولا استسلامًا؛ إنه علاقة فاعلة بواقعٍ يصحّحنا دون أن ينكشف لنا انكشافًا تامًّا.
وبهذا نعود إلى السؤال الأول.
فلو كان العلم تنبّؤًا لا غير، لاكتملت مهمّته الأعمق بمجرّد بلوغ إجراءات تنبّؤ موثوقة؛ نحسب النتائج، ونصمّم التقنيات، ونتحكّم في العمليات، دون أن نسأل أيّ عالمٍ ذاك الذي جعل هذه النجاحات ممكنة.
قد يكون علمًا بالغ القوّة، ويبقى فيه مع ذلك أمرٌ جوهريّ لم يكتمل.
فأعظم ما بلغته الفيزياء لم يكن زيادةً في دقّة التنبّؤ فحسب؛ لقد غيّر ما يعنيه العلماء بالمادة والحركة والمكان والزمان والسببية والمنظومة والنظام، وغيّر الأفق المفهومي الذي يصير الواقع قابلًا للتفكير داخله.
والتنبّؤ عند بوهم لا غنى عنه لأنّ العلم يجب أن يبقى مسؤولًا أمام ما يقع. لكنّ التنبّؤ وحده لا يخبرنا ماذا تعني النتيجة، ولا ما الذي اختُبر فعلًا، ولا لماذا أخفقت النظرية، ولا أيّ نظام مفهوميّ جديد قد يحلّ محلّها. هذه أحكامٌ تستلزم الفهم ابتداءً.
فالعلم إذن ليس اختيارًا بين التنبّؤ والفهم. التنبّؤ يعمل داخل حركةٍ أوسع من البحث: النظريات تنظّم الإدراك، والتجارب تقيّد النظرية، والتناقضات تكشف حدود المفاهيم، وضروبٌ جديدة من النظام تصير ممكنة.
والفضيلة العلمية الأعمق ليست اليقين ولا نجاح التنبّؤ مأخوذًا وحده؛ إنها القدرة على البقاء مستجيبًا للواقع دون أن نحسب طريقةً بعينها في النظر هي الواقع نفسه.
وينبغي للنظرية الجيّدة أن تعيننا على أن نبصر أبعد، دون أن تقنعنا بأنه لم يبقَ وراء ذلك ما يُرى.



