صار ضبط المشاعر (emotional regulation) مهارةً مقدَّسة في بيئات العمل وأدبيات التنمية البشرية، لا يختلف على فضلها اثنان، وتحت هذا التقديس افتراضٌ ضمني لم يُفحص بعمق مفاده أنّ المشاعر في أصلها مشكلة تحتاج تدجيناً، وأنّ الحل دائماً مزيدٌ من السيطرة. هذا يجعلك تتعامل مع المشاعر بوصفها عدوّاً داخلياً ينبغي التحكم فيه، لا مجرد معلومةٍ تصلك عمّا يجري من حولك وفي داخلك. الغضب قد يكون استجابة دقيقة لظلم حقيقي وقع عليك، والحزن إشارةً إلى جرحٍ عميق لم يلتئم، والخوف تهديد وجودي من خطر حقيقي. ومن جُبل على ضبط المشاعر حتى استحالت فيه عادةً تعمل لا إرادياً قد تفوته هذه الإشارات جميعها، لأنه يكتم الإشارة قبل أن يفهم ما تقول.
ويُقدَّم ضبط المشاعر وصفةً تصلح لكل الأحوال، بمعزل عن السياق الذي يقع فيه. في موقف ظلم فادح قد يكون الهدوء تواطؤاً لا حكمة. وفي العلاقة الحميمة، كبت الهشاشة يمنع القرب الحقيقي بدل أن يهيّئ له، فالقرب لا يقوم إلا على قدر من الانكشاف: أن تظهر على حقيقتك، وأن تُرخي دفاعاتك. وفي بيئة قمعية قد يكون الاتزان المفرط استسلاماً لواقعٍ مظلم صار مألوفاً، كالضفدع في القدر المغلي. والقدرة على الغضب في الوقت المناسب والتمرد عند الضرورة أجدى من اتزانٍ زائف؛ وقد يكون الهدوء نفسه ضرباً من المقاومة، لا خضوعاً لواقعٍ كئيب. وما يصلح في حال قد يكون كارثة في أخرى، ورفعُ ضبط المشاعر إلى مرتبة المهارة المقدَّسة يغبّش هذا الفرق.
ويلتبس عند كثيرين ضبط المشاعر بالكبت. فكثير مما يُسمّى ضبطاً هو في حقيقته قمعٌ متكرّر للمشاعر غير المريحة: صاحبه يدفن غضبه أو حزنه أو خوفه تحت قناع من السكينة، من غير أن يمسّ جذر المشكلة. وهذه ليست مهارة بل حيلة دفاعية نفسية تؤجل المشكلة ولا تحلها. ضبط المشاعر بمعناه الصحيح يفترض أن يعي المرء دقائق مشاعره، ويحسن الإصغاء إليها، ويفهم ما ترسله إليه إشاراتها، ثم يختار كيف يستجيب، لا أن يكتم تلقائياً كل شعور ثقيل. وكثير مما نحسبه معلومةً عن العالم هو في حقيقته معلومةٌ مسجّلة في ذاكرتنا: فكرةٌ تُثير شعوراً، والشعور يُثير فكرةً تصدّقه، حتى يبلغنا وقد صار يقيناً عن الواقع. وأن تفهم حقيقة شعورك يعني أن تُبقيه في مجال الانتباه حتى تراه ماثلاً أمامك — من أين جاء، ولماذا جاء الآن، وأيّ فكرةٍ سبقته فولّدته — ومن رأى هذه الدورة بين الفكرة والشعور وهي تدور يدرك أنّ الكبت ليس الجواب الوحيد لكل شعور مزعج. على أنّ الإشارة لا تصدق دائماً: فقد يكون الغضب صدى جرحٍ قديم أكثر منه استجابةً لظلمٍ حاضر، وقد يرى الخوف تهديداً حيث لا تهديد. وتمييز الإشارة الصادقة من المضلِّلة هو ضبط المشاعر في أدقّ معانيه.
وجعلُ ضبط المشاعر حلاً على مستوى الأفراد يصرف النظر عن الظروف والبنية الجمعية التي أنشأت تلك المشاعر. من يعمل في بيئة سامّة، أو يعيش تحت ضغط مالي لا ينقطع، أو يواجه تمييزاً ممنهجاً، ليست مشكلته في قدرته على ضبط نفسه بل في الظروف والبنية السامة نفسها التي يعيش فيها. وحين يصير الحل «تحسين قدرتك على ضبط مشاعرك» يُنقل العبء إلى الفرد، وتُعفى البنية من السؤال، ويُعاد وصف الخلل البنيوي فشلاً شخصياً في إدارة المشاعر. وكأنّ العلاج الوحيد لموظفٍ يحترق في عمله أن يتربّع على سجادة اليوغا ويتنفّس بعمق، لا أن يطالب بحقّه في ظروفٍ تليق بإنسانيته. واستكانتُه مكسبٌ لغيره لا يُدفع ثمنه. وهو تفريغ للمشكلة من بعدها السياسي، يحوّل الانتباه من تغيير الظروف إلى إصلاح الذات.



