نمطٌ من المتديّنين يُحاصر نفسه قبل أن يُحاصر غيره. يهرب من قلقه الداخلي بالتشدّد، ويعوّض عن ضعفه بالتعالي على الآخرين واحتقار المرأة. فبدل أن يكون الدين مرآةً لتهذيب النفس، يتحوّل في تجربته إلى وسيلةٍ لتضخيمها.
التديّن الرديء ليس نقيض الإلحاد، بل نقيض التديّن العاقل. هو تأويلٌ يُفرغ الروحانية من معناها ويحوّلها إلى قشور طقوسية وآلة ضبط. بينما يدعو التديّن الحقيقي إلى التأمل والرحمة والتواضع أمام المطلق، يختزل التديّن الرديء الإيمان في منظومة أوامر تُستَغل للهيمنة. فيذوب السؤال الوجوديّ في يقينٍ جامد، وتُستبدل رحلة التزكية بامتثالٍ أعمى. وليس هذا اكتشافًا حديثًا: عدّ الغزالي التعصّب للمذهب من حُجُب الفهم، ووصف صاحبه بأنّه «صار نظره موقوفًا على مسموعه»؛ فالحجاب عنده لا يأتي من ضعف التمسّك بالدين بل من شدّته. لا يبحث صاحب هذا النمط عن الله في أعماقه أو في اتساع الكون، بل يحصره في صورةٍ مشوّهةٍ تصنعها مخاوفه وعُقَده: إلهٌ يعاقب حيث يخاف، ويكره حيث يكره. وقد افتتح سبينوزا رسالته في اللاهوت والسياسة بأنّ الخرافة «يولّدها الخوف ويحفظها ويغذّيها»؛ وهو الخوف نفسه هنا، وإن اختلف الاسم. ينقلب الدين هكذا من خبرةٍ تحريريّة إلى سجنٍ أيديولوجيّ مغلق.
في باطن هذا التديّن أزمةٌ وجوديّة غير محسومة: عجزٌ عن مواجهة التناقضات الداخلية والتصالح مع هشاشة الإنسان. الدين عند صاحبه ملاذٌ من النفس قبل أن يكون سكينةً فيها؛ يتشدّد هربًا من شكوكه ورغباته المكبوتة وشعوره العميق بالنقص. غير أنّ الهرب لا يُنهي الجرح بل يوسّعه: كلّما قمع ذاته تضخّم غضبه، وكلّما تضخّم غضبه أسقطه على من حوله. وأوّل من يقع عليه الإسقاط المرأة، بما تمثّله من حياةٍ وجمالٍ ورغبة، فهي تذكّره بجسده الذي ينكره وبضعفه الذي يفرّ منه، فيجعلها كبش فداءٍ لأزماته. ثمّ المختلف — دينيًّا أو فكريًّا أو ثقافيًّا — إذ يصير مرآةً تُظهر له ما لا يطيق رؤيته: الحرية والشك والتعدديّة. فالتشدّد قناعٌ يخفي كراهيةً مكتومةً للذات، ومن يحتقر إنسانيته لا يستطيع إلا أن يحتقر إنسانيّة الآخرين. وما يبدو قوّةَ إيمانٍ هو في الحقيقة جرحٌ نرجسيّ لم يُشفَ بعد.
التعالي وازدراء الناس ليسا دليلَ يقين، بل تعويضٌ هشّ عن فراغٍ داخليّ؛ وهذا الفراغ لا يملؤه إلغاء الآخر، إنّما مواجهة الذات. لذلك فالتديّن الرديء ليس طريقًا إلى الله، بل هروبٌ من الإنسان. أمّا التديّن العاقل فسعيٌ متواضع نحو المعنى، يقوم على الرحمة في الفعل وكرامة الجميع. والرحمة لا تُحاكَم؛ هي تُمارَس.



