في إعلان عطر J’adore من ديور، تمشي شارليز ثيرون في ممر مغمور بالذهب، تنزع عقدها وثوبها قطعة قطعة، وتهمس: «الذهب بارد، الألماس ميت، الليموزين مجرد سيارة. لا تتظاهري، اشعري بما هو حقيقي». ثم يُختم المشهد باسم العطر: J’adore Dior.
في لوحة هوغو فان دير غوس من القرن الخامس عشر، تقف حواء في المشهد نفسه: عارية، يدها ممدودة إلى الثمرة، وعن يمينها الحيّةُ بوجه امرأة. خمسة قرون تفصل بين المشهدين، والبنية ذاتها تعيد إنتاج نفسها: جسد أنثوي يتوسّط بين الرغبة والخطيئة.
السؤال الذي يُطرح عادةً هو لماذا تقترن المرأة بالشيطان في كل الثقافات تقريبًا. السؤال نفسه محمَّل بما يتجاوز قدرته على الإثبات. الثقافات لم تشيطن المرأة فحسب، بل ألّهتها أيضًا، وكثيرًا ما فعلت الاثنين معًا. شاكتي وكالي، حواء ومريم، عشتار وليليث، الأم العذراء والزانية. القداسة والشيطنة قطبان لجدلية واحدة: تُرفع المرأة فوق البشر أو تُقرن بالشيطان، وفي الحالين تُنتزع منها إنسانيتها. والظاهرة الجديرة بالتفسير هي هذه الجدلية.
ومع ذلك، يحتل القطب الشيطاني موقعًا خاصًا في التقليد الإبراهيمي والغربي. حواء التي أغوت آدم في القراءة المسيحية، ليليث رفيقة الشياطين، ساحرات أوروبا اللواتي يتعاقدن مع إبليس، جسد المرأة اليوم وهو يبيعك سيارة وعطرًا ورحلة طيران. من حواء الساقطة إلى ثيرون في إعلان العطر ٢٠٠٠ عام، والوظيفة هي ذاتها لم تتغير: امرأة تقف بين رجل ورغبة محرّمة، ثم يُحمَّل جسدها وزر ما يفعله الرجل. على أنّ القرآن لا يحمّل حواء وحدها هذا الوزر، إذ أغوى إبليس الاثنين معًا، بل أفرد آدم بالعصيان. ومع ذلك نشأ في التقليد الإسلامي خطاب الفتنة كاملًا، من خلقها من الضلع الأعوج إلى جعل صوتها عورة وظهورها بابًا من أبواب الإغواء. صاغه المفسّرون والرواة، ولم ينزل به النصّ القرآني. فالبنية أقوى من النصّ الديني، لا تنتظر تفويضًا منه.
ويبقى السؤال: لماذا اختارت هذه الثقافات تحديدًا أن تحمّل المرأة هذه الحمولة الرمزية، وما الذي يجعل الشيطنة تتجدد في كل مرة بصيغة جديدة؟
التفسير السائد يشير إلى السيطرة الذكورية، فالرجل يخشى سطوة المرأة عليه فيشيطنها. والتفسير المادي يضيف أن الأسطورة غطاء لضرورة السيطرة على الرحم والنسب. كلا التفسيرين يصف آليات حقيقية، لكنهما يقفان على مشارف السؤال الجوهري، وهو لماذا اتخذت السيطرة الذكورية على المرأة شكل الشيطنة بالذات. فالسلطة تُمارَس بألف طريقة، منها الاستعباد والإقصاء والتجاهل. لكنّ ما جرى للمرأة غير هذا، فهي لم تُعامَل ككائن أدنى فحسب، بل حُمّلت قوة رمزية هائلة، هي قوة الإغواء وقوة الإسقاط وقوة أن تُهوي بالرجل من علياء طهارته إلى حضيض خطيئته. العبد في بعض الثقافات شُيطن هو الآخر، إذ ربطه الخطاب العنصري بالحيوانية والشبق الجنسي المنفلت، لكن شيطنته خدمت الإقصاء والعنف، بينما شيطنة المرأة خدمت الاحتواء، أي إبقاء اللجام حول عنقها مرخيًا، فتبقى قريبة وخاضعة في الآن نفسه. وما جرى لساحرات أوروبا في القرن السابع عشر على الهامش من إحراقٍ وطرد لم ينقض هذا الاحتواء، إنما خدمه، فالعنف الممارَس علنًا على قلّة من النساء إنذارٌ يُبقي سائرهنّ قريباتٍ خاضعات. هذا الفرق الوظيفي هو ما لا يفسره الإخضاع وحده.
وما يُطرح هنا ليس بديلًا عن التفسيرين، تفسير السيطرة وتفسير النسب، إنما جوابٌ عمّا سكتا عنه، فالشيطنة حلٌّ رمزي لتناقض بنيوي. الرجل يحتاج المرأة (للتكاثر، للرغبة، للاستمرار)، لكنه لا يستطيع السيطرة عليها سيطرة كاملة دون تدمير هذه الحاجة ذاتها. صحيح أن أنظمة كثيرة قنّنت استعباد المرأة المرغوبة، من السبي إلى التسرّي إلى الحريم. لكن هذا الاستعباد ظل ممكنًا حيث رسمت الأيديولوجيا حدًا قاطعًا بين فئات النساء، فالحرّة في موقع، والجارية أو السبيّة في موقع آخر. والتناقض المقصود لا يظهر إلا حين تعترف الثقافة بالمرأة شريكةً روحية للرجل في الإطار العام. وعندها تستحيل السيطرة الكاملة دون أن تخسر الرغبةُ ذاتها قيمتها، فالمرأة التي تُسلَب إرادتها تُفرَغ بالضرورة من جاذبيتها. ما قالته سيمون دو بوفوار في «الجنس الآخر» قريب من هذا: الإنسانية ذكورية الصياغة، والرجل يعرّف المرأة لا كذات مستقلة بل كنسبة إليه، آخَرَ يحتاجه ليثبت ذاته. لكن هذا «الآخَر» لا يكتمل تحويله إلى موضوع أبدًا. المرأة يجب أن تكون مرغوبة وخاضعة، قريبة وخطرة، ضرورية ومهددة. هذا التناقض لا يُحَلّ ماديًا. يحتاج إلى أسطورة.
تبدأ الأسطورة بتحويل ضعف الرجل إلى خطر في المرأة، ثم استخدام هذا الخطر لتبرير السيطرة عليها. حين تُقرن المرأة بالشيطان، يصبح عجز الرجل عن مقاومتها مفهومًا، فالعجز لم يعد ضعفًا فيه، وصار قوة خبيثة فيها. فالشيطان لا يعمل بالقوة الغاشمة، إنما بالإغواء، والإغواء يتطلب رغبة مسبقة في المُغوى.
وهكذا تنقلب المعادلة، فالرجل لا يعترف بشهوته، ويُسقطها على المرأة كقدرة شيطانية.
ما لا يطيق المرء أن يراه في نفسه، يَسهُل عليه أن يراه في امرأة.
ثم يأتي التبرير الأخطر، وهو الحماية. نحن لا نسيطر عليكِ لمصلحتنا، إنما نحميكِ من الخطر الذي تحملينه دون إرادتك. هكذا تتحول السيطرة إلى رعاية، والسجن إلى حماية، والإذلال إلى تقوى. والسقوط يطلب دائمًا من يُلام عليه، فلا يمكن إلقاء اللوم على الله لأن ذلك يهدم البنية الدينية، ولا على الرجل لأن ذلك يناقض مركزيته. ولا بدّ لكل سقوط من حواء تأكل التفاحة.
ثم تختزل المرأة في جسدها، فهو مصدر الخطر على نظام الرجل. فالنظام الأبوي لا يرى في عقلها ولا في روحها ما يراه في جسدها من ضرورة، فيصير الجسد ساحة الصراع. فيه يفقد الرجل سيطرته على نفسه حين تغلبه الرغبة، ويفقد اطمئنانه إلى نسله حين يخالجه الشك في أبوته لأولاده، ويفقد استقرار نظامه حين يلوح احتمال الفوضى الجنسية. ومن هنا تلك الطقوس المعقدة، فالتغطية لترويض الجسد، والعزل لقطع صلته بمصادر قوته، وقوانين الطهارة والنجاسة لتذكيره بأنه كيان يحتاج إلى ضبط مستمر. لاحظت الأنثروبولوجية ماري دوغلاس في كتابها «الطهارة والخطر» (١٩٦٦) أن كل ما يهدد الحدود بين المقولات الاجتماعية (طاهر ونجس، داخل وخارج، مقدس ومدنّس) يُعامَل خطرًا يحتاج إلى طقس لاحتوائه. وجسد المرأة، بما يعتريه من حيض وحمل وإرضاع، هو التهديد الأول لكل هذه الحدود.
ثم جاءت الحداثة: لم تحرر المرأة من هذا الربط، أعادت صياغته
الإعلان التجاري يستخدم الجسد الأنثوي بالمنطق ذاته الذي استخدمته الأسطورة. الجسد يغوي، والإغواء يولّد رغبة، والرغبة تقود إلى فعل هو الشراء، والفعل يؤدي إلى سقوط، فالمديونية والاستهلاك القهري وتدمير الذات الاقتصادية. الفارق أن النظام القديم كان يحذّرك من سقوطٍ أخروي، بينما النظام الحديث يَعِدك بخلاصٍ دنيوي. الشيطان الديني يقول لك اسقط معي وستخسر الجنة، والشيطان الاستهلاكي يقول لك اسقط معي وستدخل جنة الجمال والشباب والمكانة.
ولمعترضٍ أن يقول إن الرأسمالية تُسلِّع الجسد الذكوري كذلك، في الساعات والسيارات وأبطال الشاشة. صحيح.
لكن المنتج هناك يَعِد الرجل بأن يصير ذلك الجسد، لا أن يمتلكه.
يُوعد الرجل بأن يصير شيئًا أفضل، وتُوعد المرأة بأن تكون شيئًا يملكه غيرها. وهذا يكشف بنية رمزية أعمق، ورثتها الرأسمالية ولم تخلقها.
هذا ليس تشبيهًا بلاغيًا. صناعة الإعلان بُنيت، بوعي أحيانًا وبحدس أحيانًا أخرى، على استثمار الشحنة الرمزية التي حملها الجسد الأنثوي عبر آلاف السنين. حملة إدوارد بيرنيز عام ١٩٢٩ تكشف الآلية من زاوية مختلفة. فبيرنيز، أبو العلاقات العامة الحديثة وابن أخت فرويد، أراد إقناع النساء بالتدخين علنًا، فاستشار الطبيب النفسي أ. أ. بريل، فأخبره أن السيجارة بالنسبة للمرأة رمز قضيبي وأن التدخين فعل تحرر. فسمّى حملته لصالح Lucky Strike «مشاعل الحرية»، وأرسل عارضات أنيقات يُدخّنّ في شوارع نيويورك يوم عيد الفصح. والجسد الأنثوي هنا ليس أداةً لبيع منتج للرجل، إنما ميدان رمزي تُخاض فيه معركة الحرية ذاتها. الآلية مغايرة لإعلان العطر، لكن الوظيفة واحدة: الجسد الأنثوي يبقى الموضع الذي تتنازع عليه المعاني الكبرى، سواء أراد النظام احتواءه أو زعم تحريره. بيرنيز لم يخترع البنية، وظّفها.
حين اختُزلت المرأة في جسدها في الخطاب الديني والأسطوري، أصبح هذا الجسد قابلًا للتداول في السوق. والانتقال من «المرأة خطر يجب حجبه» إلى «المرأة سلعة يجب عرضها» ليس انقلابًا، إنما امتداد لها. والإعلان يشتغل بمنطق الخطيئة والفداء فوق منطق الجاذبية البصرية، فالمنتج يُقدَّم كخلاص من نقص، والجسد الأنثوي هو الضامن الرمزي لهذا الوعد. وفي إعلانات العطور والسيارات الفارهة والمنتجعات، المرأة لا تبيع المنتج، تبيع وعدًا بتجربة محرّمة صارت متاحة. الكنيسة كانت تَعِد بالخلاص في الآخرة، والإعلان يَعِد به الآن، في زجاجة عطر. فالحداثة لم تحرر الجسد الأنثوي، إنما سلّعته، ونقلته من محراب الخطيئة إلى واجهة العرض.
والعولمة الرأسمالية لم تخترع هذا التسليع من فراغ. الجسد الأنثوي كان جاهزًا للتسليع لأن البنية الأسطورية القديمة كانت قد حولته فعلًا إلى علامة على الخطر والرغبة والإغواء، وعلى كل ما يقع خارج سيطرة الإرادة.
وهنا يعود القطب الآخر الذي بدأنا به. فالإعلان لا يشيطن الجسد وحده، يقدّسه في اللحظة نفسها. المرأة التي تنزع الذهب والألماس تقول إنها تهوى ما هو حقيقي، ثم يأتي اسم العطر ليحلّ محلّ ذلك الحقيقي — وهو اسم مبنيّ على فعلٍ يحمل في الفرنسية الهوى والعبادة معًا. فتُقدَّم عابدةً ومعبودة في آن، فتنةً ومحرابًا. والجدلية التي حملتها حواء ومريم، وشاكتي وكالي، لم تنكسر حين خرجت من المعبد؛ انتقلت إلى واجهة العرض بقطبيها معًا، لأن الحاجة التي أنتجتها لم تتغير: الحاجة إلى كائن يُشتهى ويُخاف، يُرفع فوق الرجل ويبقى تحت يده. فالقداسة والشيطنة ليستا حكمين متعارضين على المرأة، بل صيغتان لوظيفة واحدة، وهي أن تبقى رمزًا لا شخصًا.
حين تستخدم المرأة جسدها اليوم للحصول على القوة، بالإغراء والظهور ورأس المال الجنسي، فهي لا تخترع استراتيجية جديدة، بل تعمل داخل البنية التي سبقتها.
النظام يتيح لها هذا الخيار تحديدًا لأنه لا يهدد المعادلة الأساسية، فقيمة المرأة عنده في جسدها.
السؤال الذي يُطرح عليها دائمًا (ماذا تفعلين بجسدك؟) هو نفسه الإطار الذي يحبسها. فالسؤال يفترض أن الجسد هو القضية. وهذا الافتراض هو البنية.
والخروج لا يكون بإنكار الجسد ولا بتمجيده، إنما بأن يُنزع عنه احتكار المعنى. طالما ظل الجسد الأنثوي علامةً على الخطيئة أو الخلاص، وعلى الخطر أو القيمة، ستبقى المرأة وسيطًا بين قوى أكبر منها، لا فاعلًا مستقلًا.
لكن هذا النزع لا يحدث فرديًا. البنية الرمزية لا يتبناها فرد ولا يرفضها فرد. إنها نظام تشترك في إنتاجه اللغة والمدرسة والاقتصاد، وكل ما يصلنا قبل أن نختار. الأسطورة لم تستمر آلاف السنين لأن الناس لم يعرفوا أنها أسطورة، استمرت لأنها كانت تخدم بنية قوة حقيقية. تفكيكها يبدأ من المواضع التي تتكرر فيها يوميًا: من كتب الأطفال التي تختزل الفتاة في الجمال، إلى صناعة المحتوى التي تكافئ الظهور وتعاقب الفكر، إلى اللغة ذاتها حين تربط الفضيلة بالعفة والرذيلة بالرغبة، فتُعيد إنتاج المعادلة في كل جملة نقولها.
السؤال إذن ليس لماذا ربطت الثقافات بين المرأة والشيطان. السؤال هو لماذا لا نزال نعيد إنتاج هذا الربط، بلغة السوق أحيانًا وبلغة التحرر ذاته أحيانًا، رغم كل ادعاءاتنا بأننا تجاوزناه؟









عزائي لمن لم يحالفهم الحظ ولا الخوارزميات لقراءة هذا المقال !