رجلٌ يقول إنّ أعمق مخاوفه هي الفاشية، ثمّ بنى الأداة المثلى لدولة المراقبة. هذه المفارقة يتعقّبها الصحفي مايكل ستاينبرغر على امتداد كتابه «الفيلسوف في الوادي: أليكس كارب، وبالانتير، وصعود دولة المراقبة»، عبر شركةٍ تتقمّص صاحبها حتى يصعب الفصل بينهما: بالانتير (Palantir) تبيع مع تحليل البيانات نظرةَ أليكس كارب القاتمة إلى العالم، وهواجسه وعداواته. وفي حكاية الشركة وصاحبها قراءةٌ لدولة المراقبة الشاملة وقد صارت أمرًا واقعًا.
تبدأ حكاية كارب من إحساسٍ بالهشاشة رافقه منذ الصغر. وُلد في نيويورك ونشأ في ضواحي فيلادلفيا لأبٍ يهودي وأمٍّ سوداء من نسل العبيد، وعانى عُسر القراءة، فترسّخ في وعيه المبكّر أنّه قادمٌ إلى عالمٍ معادٍ لأمثاله، وأنّ نجاته رهنُ قوّةٍ يصنعها لنفسه. درس الفلسفة في هافرفورد، ثم قصد كلية الحقوق في ستانفورد حيث توثّقت صلته ببيتر تيل، ثم انصرف عن القانون ورحل إلى ألمانيا يطلب الدكتوراه في فرانكفورت على يد يورغن هابرماس. لكنّ الرجلين افترقا، فأتمّ أطروحته بإشراف عالمة الاجتماع كارولا بريده، وكتبها في العدوان داخل «العالم المعيش»، معيدًا قراءة أدورنو ليصف كيف تصير النزعة العدوانية نفسها رابطًا يشدّ الجماعة بعضها إلى بعض. وانتهى من ذلك إلى قناعةٍ حكمت سيرته كلها: لا يأمن مثلُه، اليهوديُّ الأسودُ المصاب بعُسرالقراءة، إلّا في مجتمعٍ يحمي الأقليات حمايةً صارمة. ولذلك كانت بالانتير عنده مشروعًا شخصيًّا قبل أن تكون تجارة، شركةً تجعل العالم آمنًا لأليكس كارب نفسه.
خرجت بالانتير إلى الوجود بعد هجمات سبتمبر، بتمويلٍ جزئي من الذراع الاستثمارية لوكالة الاستخبارات المركزية، وبمهمةٍ صاغها تيل: بناء برمجيات تعين الدولة على مطاردة الإرهاب. والاسم نفسه يدلّ على المعجم الذي يفهم به كارب رسالته؛ فهو مأخوذٌ من ملحمة ج. ر. ر. تولكين «سيّد الخواتم» (The Lord of the Rings)، حيث الـ«بالانتيري» (palantíri) أحجارٌ كرويّةٌ كاشفة ترى البعيد وتصل بين المتباعدين، لكنها خطرة، إذ يرى الناظر فيها أكثر ممّا ينبغي أو يقع تحت سطوة من يتلاعب بها. والكلمة في لغة الجان التي اخترعها تولكين تعني «الرائي من بعيد». ومن هذا المعجم نفسه شاع في سنوات الشركة الأولى شعار «إنقاذ الشاير»، موطن الهوبيت الوادع في الملحمة، وصار موظفوها يُسمَّون أحيانًا «الهوبيت»، فهم في صورتهم عن أنفسهم حرّاسٌ يدافعون عن الغرب من برجٍ محاصَر.
لكنّ كارب أدرك منذ البداية الخطر الكامن في هذا النوع من التقنية، فالبيانات التي يغربلها المحلّلون شخصيةٌ في معظمها، وأيّ أداةٍ تسهّل عملهم قد تقوّض الخصوصية والحريات المدنية. فجاء حلّه الذي سمّاه «هيغليًّا» (Hegelian): أن تُبنى ضوابط الخصوصية داخل البرنامج نفسه، فلا يصل المستخدم إلا إلى ما يُسمح له به، ويترك كلّ تطفّلٍ أثرًا يمكن تعقّبه. والمراد أن يُذاب التناقض بين الأمن والحرية في تركيبٍ واحد يرضي الطرفين، كما قال لتشارلي روز: «إنّه حلّ وادي السيليكون بامتياز: تُزيل التناقض، فنمضي جميعًا قُدُمًا».
غير أنّ عيب هذا الوعد في بنيته نفسها. فالتقنية محايدةٌ أخلاقيًّا بطبعها، وقيمتها رهنُ من يمسك بها، وبالانتير لا تملك أن تراقب عملاءها ولا أن تضمن أن يشاطروها قيمها. وقد جرى استعمال البرنامج على غير ما وُعد به: مسؤولٌ أمنيّ في «جي بي مورغان» يحوّله إلى أداةٍ للتجسّس على زملائه، وأقسام شرطةٍ في لوس أنجلوس ونيو أورليانز استعملته في «الشرطة التنبّؤية» التي رأى فيها نقّادها حلقةً عنصريةً مفرغة، ووكالة الهجرة اعتمدته في منظومة إنفاذٍ ارتبطت بحملات الترحيل وبفصل الأطفال عن ذويهم. وحين سُئل كارب عن احتمال إساءة الاستعمال لم ينكره: «كلّ تقنيةٍ خطيرة، وتقنيتنا منها». فمرجع الضبط الأخلاقي إلى مشغّل البرنامج لا إلى بنيته، ومشغّله خارج سلطان كارب.
وتظهر المفارقة نفسها في علاقة كارب ببيتر تيل. ظلّ الرجلان يُقدَّمان زمنًا طويلًا كقطبين متعاكسين: كارب التقدّمي الذي وصف نفسه يومًا بـ«الاشتراكي الجديد»، وتيل الليبرتاري الذي انجرف نحو أقصى اليمين حتى موّل حملة ترامب عام ٢٠١٦. وكان هذا التباين في مصلحة الشركة، إذ أوحى بأنّها مظلّةٌ تتّسع للطرفين وتتجاوز الانقسام الحزبي. لكنّه بعد ترامب صار مأزقًا: كيف يأتمن رجلٌ يقول إنّ الفاشية أكبر مخاوفه شريكًا يوظّف ثروته في خدمة الشعبوية اليمينية؟ ويبقى السؤال الذي يتهرّب منه كارب: ماذا يعني «الدفاع عن الغرب» أصلًا؟ فالغرب عند تيل كيانٌ ثقافيٌّ تجمعه هويةٌ يهودية مسيحية وحرّية السوق، لا نظامٌ سياسيٌّ ديمقراطيٌّ تعدّدي. وهذا تناقضٌ لا يذوب في تركيبٍ هيغليّ.
وكان السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ نقطة التحوّل التي رسّخت انتقالًا كان جاريًا. وقبله بعامٍ ونصف، كانت الحرب في أوكرانيا قد منحت كارب لحظةَ التبرئة الوحيدة التي طال انتظارها؛ إذ صار سلاح بالانتير، في نظره و نظر منقديه على حدٍ سواء، في جانب قضية لا يجادل أحد على عدالتها، فتحوّل من رجل أعمالٍ مثيرٍ للريبة إلى «رئيسٍ تنفيذيّ بوزن رجل الدولة» التقى زيلينسكي في كييف. أمّا مذبحةُ حماس التي سقط فيها نحو ألفٍ ومئتَي قتيل، معظمهم مدنيون، فمسّت كارب في أعمق ما فيه، إذ رأى اليهوديُّ الذي عاش حياته كلها يستشعر هشاشة الوجود اليهودي في إسرائيل ملاذًا أخيرًا، وفي الهجوم برهانًا على أنّ العالم ما زال يقبل ذبح اليهود. «هذه مسألةُ بقاءٍ أو فناء»، قال. وعلى إثر ذلك قطع مع اليسار: حمّل الديمقراطيين ضعف السياسة الخارجية وخضوعَهم ليسار الهوية و«ثقافة الووك»، وهاجم سياسات التنوّع والإنصاف والدمج بوصفها مدخلًا إلى معاداة السامية، ومضى يثني على الجمهوريين بل على ترامب نفسه. والأهمّ أنّ الرجل الذي جعل الفاشيةَ عدوّه الأول صار يهوّن من خطر ترامب، ويطمئن نفسه دون أن يقنع محاوره إلى أنّه ليس فاشيًّا ولا عنصريًّا. وانفكّ عند هذا الحدّ الارتباطُ بين «الغرب» و«الديمقراطية الليبرالية» من غير إعلان.
ومع طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي قفزت بالانتير إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز ٥٠٠»، وصار كارب من أثرى رجال التقنية، وعاد ترامب إلى البيت الأبيض، فوجدت الشركة نفسها تخدم رئيسًا يصفه جنرالاته السابقون بالفاشي: عقودٌ لتسريع الترحيل، وتقارير عن مشروعٍ لضمّ بيانات حكومية متفرّقة في قاعدةٍ واحدة نفت الشركة أن تكون قد بنتها، وهي الكوابيس نفسها التي قامت بالانتير في الأصل لتتجنّبها. وفي «الجمهورية التقنية» ورسالةٍ إلى المساهمين يكتمل التحوّل؛ ففي الرسالة يستشهد بهنتنغتون قائلًا إنّ صعود الغرب لم يكن بتفوّق أفكاره أو قيمه أو دينه، بل بتفوّقه في إعمال العنف المنظّم، ويعلن أنّ تفوّق الغرب «بديهي». ويفترق في ذهنه مصير الغرب عن مصير الديمقراطية. أمّا شعار التمرّد الذي رفعه طوال حياته، «المتمرّدون انتصروا»، فقد صار المنتصر به دولةَ المراقبة. وحين سُئل أخيرًا إن كان لا يزال يرى أنّ ترامب ليس فاشيًّا، تجاهل السؤال؛ أمّا جوابه عن جدوى هذا الجدل كله فكان جملةً واحدة: «ألّا يحبّك الناس يسدّد الفواتير».
وأشدّ ما يُؤخذ على كارب يقع قبل إساءة الاستعمال: ضوابطه لم تكن موضوعةً للخطر الذي يقول إنّه يخشاه. فالصلاحيات وسجلّ التدقيق وحجب ما لم يُؤذن فيه، كلّها قائمةٌ في وجه المحلّل المتطفّل، أي في وجه الاستعمال غير المصرّح به. والفاشية لا تدخل النظام متسلّلةً بلا تفويض؛ تدخله ومعها كامل التفويض: أمرٌ قانونيّ، وميزانية، ووكالةٌ تعمل ضمن اختصاصها. وكلّ قيدٍ تقنيّ بناه كارب يؤدّي وظيفته في هذه الحال على أتمّ وجه، بل يؤدّيها لصالح من يملك التفويض، إذ يجعل الاستعمال منضبطًا وموثّقًا ومشروعًا. حلّ التركيب «الهيغليّ» مشكلة الموظّف الفضوليّ — فالبرنامج يمنعه من فتح ما ليس من صلاحيته، والسجلّ يفضحه إن حاول — وترك مشكلة الدولة على حالها. وله أن يردّ بأنّ الأداة ستُبنى على كل حال، وأنّ بانيها الذي يفكّر في الضوابط خيرٌ من بانٍ لا يفكّر، وأنّ الديمقراطية يقيّدها القضاء والانتخاب لا تصميم الشركة الصانعة. وهذا صحيح، ولذلك كان عليه ألّا يَعِد بأنّ التناقض قد ذاب. وفي «ألّا يحبك الناس يسدّد الفواتير» موقفٌ لا دعابة: من جعل كره الناس له علامةً على صوابه عطّل الآلية الوحيدة التي كان يمكن أن تصحّحه، وهي الآلية نفسها التي يقوم عليها ما يسمّيه هو غربًا.



