مقدّمة المترجم
في منتصف مارس/آذار ٢٠٢٠ عرف جان بلوميرت أنّ في جسده سرطانًا بلغ مرحلته الرابعة. وبعد شهرٍ واحد جلس يكتب هذه الوصية على مدوّنته، ونشرها حيث اعتاد أن ينشر أوّلًا: مجانًا ومفتوحةً للجميع. مات بعدها بتسعة أشهر.
كان بلوميرت من أبرز علماء اللسانيات الاجتماعية والأنثروبولوجيا اللغوية في العالم، وصاحب أعمالٍ مؤسِّسة في دراسة اللغة والسلطة واللامساواة في سياق العولمة المعاصرة. وليس هذا النصّ عملًا من أعماله العلمية، بل حسابٌ ختاميّ: رجلٌ يعرف أنّ ما بقي له قليل، فيسأل نفسه سؤالًا واحدًا عمّا فعله طوال ثلاثة عقود — ما الذي كان مهمًّا حقًّا؟ ويبدأ الإجابة من الجهة الأصعب: بما لم يكن مهمًّا.
وما يجعل النصّ يعنينا نحن أنّ ما يشرّحه بلوميرت ليس مرضًا بلجيكيًّا ولا هولنديًّا. والجامعة التي يصفها هي النموذج الذي تستورده جامعاتنا اليوم بحماسة وتقيس به ترقياتها وتصنيفاتها: جامعةٌ تقيس أساتذتها بعدد الأوراق، وتحبس المعرفة خلف جدران الدفع، وتقيم للمشاهير مهرجاناتٍ تُسمّى مؤتمرات. يكتب بلوميرت من داخل هذا النظام، وقد بلغ فيه ما يُسمّى نجاحًا، ثمّ ينظر إليه من حافة الموت فلا يجد فيه ما يستحقّ أن يُذكر. وما يجده ثلاث كلمات يوجز بها مسيرته كاملة: العطاء و التربية و الإلهام، ثمّ رابعة: الديمقراطية.
جان بلوميرت — ترجمة و تحرير: محسن الوايلي
مات اثنان من أساتذتي الفكريين في سنّ مبكرة نسبيًّا: ميشيل فوكو عن ٥٧ عامًا، وإرفنغ غوفمان عن ٦٠ عامًا. ويرجَّح جدًّا أنني سأموت أنا أيضًا في سنّ مبكرة نسبيًّا. عمري الآن ٥٨ عامًا، وقد شُخّصت بالإصابة بسرطان في المرحلة الرابعة في منتصف مارس/آذار ٢٠٢٠. ولأنّ ما بقي لي من المستقبل صار فجأةً أضيق من أن يتّسع لتخطيطٍ أو تنبّؤٍ أو حلم، يميل المرء في مثل هذه اللحظات الفارقة إلى الالتفات إلى الماضي. والسؤال البديهيّ الذي يوجّه هذا التأمل هو: ما الذي كان مهمًّا؟
سأقصر حديثي على الجانب المهني من حياتي. هذا فصلٌ مصطنع بطبيعة الحال؛ فالمهنيّ كان دائمًا متشابكًا مع غير المهنيّ، وغالبًا بطرق غير مريحة أو غير متوازنة. لتلك القصة مقامٌ آخر. أمّا الآن فسأركّز على ذلك الجزء منّي الذي كان يُسمّى «أكاديميًّا».
أبدأ بما لم يكن مهمًّا.
لم تكن «المنافسة» مهمة عندي: لا التنافس في السلوك ولا في العلاقات، ولا نزعة أن أكون «الأفضل» أو «الفائز»، ولا أن يُشار إليّ بوصفي «بطلًا»، ولا التقدّم بأساليب تكتيكية أو بناء تحالفات استراتيجية. لم أشعر يومًا بأن عليّ أن أكون جزءًا من شِلّة أو شبكة بعينها، ولم أبذل جهدًا يُذكر للاقتراب من «المهمّين». وإن حصل أن كنتُ عضوًا في شبكات، فبالصدفة لا بالتخطيط.
لم أتخيّل نفسي عبقريًّا، ولا قِستُ ذاتي بالآخرين، ولا رأيتني مسؤولًا وحدي عن إنتاج أعمال «عظيمة» ينبغي للجميع قراءتها والاقتباس منها وتكليف الطلاب بها. على العكس تمامًا: رأيت نفسي شخصًا عاديًّا يحتاج دائمًا إلى فريق جيد من حوله لينجز شيئًا. وحياتي الأكاديمية لم تكن هدفًا سعيتُ إليه بإصرار، بل هديةً تلقيتها من الآخرين؛ لذا رأيتُ عليّ واجبًا أن أًتقن، وأن أُتقن بأقصى ما أستطيع، وأن أكون غدًا خيرًا مني اليوم. فعملت بجدّ، مهتديًا بما عند غيري: الأدبيات الأكاديمية بطبيعة الحال، وهي جماعةٌ من الآخرين كثيرًا ما نغفل عنها حين نتحدث عن «الإنجاز»، ثم العلاقات والأصدقاء الذين يمكن أن نؤلّف معهم فريقًا. كانت المناقشة والعصف الذهني من أحبّ أنشطتي؛ هناك كان اللعب والمرح واللذّة في الحياة الأكاديمية. وما كنت أفعله منفردًا عادةً هو التحليل المتأني البطيء للبيانات، وهو الشيء الوحيد الفرديّ حقًّا وسط أنشطةٍ كانت جماعية قائمة على المشاركة والتبادل والسخاء. وحتى هذا كنت أعرضه على حكم الآخرين قبل أن يُنشر. فأيّ «استقلالية» لعبقريٍّ وحيدٍ متفرّدٍ نتحدث عنها إذًا؟
في سياق المشاركة السخية هذه يصبح تغيّر الرأي بديهيًّا. غاية النقاش والعصف الذهني، أي «تبادل الأفكار»، أن تُبادَل الأفكار وأن تتغيّر عند الحاجة، وأن يخرج المرء بأفكار أَصلح مما دخل به. التعلّم هنا هو المفتاح، ولو وصفتُ نفسي بصفةٍ واحدة لقلت: متعلّم نهم دائم.
لهذا قرأتُ بكثافة طوال حياتي. بعض القراءة للمتعة، وبعضها للدراسة الجادّة. طوال مسيرتي المهنية شرعتُ في دراسات منظَّمة أجمع فيها النصوص التي أريد أن أستخلص منها رؤى مفيدة لمشاريعي البحثية. درستُ، على سبيل المثال لا الحصر، البنيوية والوجودية والفينومينولوجيا، وأعمال فوكو وباختين وبورديو وغوفمان وهايمز وهاليداي وسلفرستين، وقرأت في ماركس والماركسيات، وفي النظرية السياسية الأفريقية، وفي فريري ونغوغي ووالتر رودني وعيسى شيفجي. وحتى أفهم كثيرًا من ذلك كان عليّ أن أدرس أعمال ماو تسي تونغ وتاريخ الثورة الثقافية في الصين. وهلمّ جرًّا. وإن ندمتُ اليوم فعلى دراسات ستظل غير مكتملة رغم ما جلبته لي من لذّة.
وكرهتُ، وما زلتُ أكره بشدة، ثقافة «الصناعة الأكاديمية» التي شهدتُ صعودها: الفردنة individualization شبه التامة للعمل الأكاديمي وقياس الأداء، أي أن يصير العمل الأكاديمي في قياسه و محاسبته، والمنافسة المستمرة التي تدفع الزملاء الشباب المستضعفين إلى مستويات خطيرة من الإجهاد وتقديم العمل على الحياة، وإصرار الإداريين، بلا دليل، على أنّ ذروة الأداء الأكاديمي مقالٌ في دورية يكتبه باحثٌ واحد ويحجبه جدار دفع، وأنّ هذا هو المعيار الذهبي لقياس «جودة» الباحث.
وإلى جوار ذلك نشأت ثقافة مشاهير حقيقية: مؤتمرات ضخمة على هيئة مهرجانات بوب، فيها «نجوم روك» يقدّمون باقةً من أشهر أعمالهم أمام حشود من أكاديميين مكافحين ذوي رواتب منخفضة أنفقوا ما ادّخروه لعطلاتهم على تذاكر تلك العروض. قليلٌ في تلك المؤتمرات مما له قيمة فكرية حقيقية، وبصمتها الكربونية، بما فيها من أسفار، مخجلة كذلك.
بصراحة: هذا كله في أبسط صوره مناهضٌ للعمل الأكاديمي ومعادٍ للفكر. وصفةٌ لعلم رديء لا للابتكار. شاركتُ فيه لأنه كله صار «الموضة» التي سادت في ذروة نشاطي؛ كان هو الثقافة التي شكّلت مسيرتي، وجعلتني حينًا من الدهر واحدًا من أولئك «النجوم»، فوجدتني مرارًا في صحبة زمرة صغيرة متجانسة من نجوم الروك أمثالي. ولن أفتقد ذلك؛ كان محرجًا ومنفّرًا وغالبًا مملًّا على نحو لا يُحتمل. وقد أزاحت هذه الثقافة ثقافةً سابقة ونزعت عنها الشرعية: ثقافة الحوار بين الزملاء والتعاون والتمهّل، و التأني في التفكير والتأمل والشكّ، وفتراتِ غيابٍ عن المنصات لأن الباحث منشغل فعلًا ببحثٍ جادّ؛ ثقافةٍ يكتب فيها المرء متى وُجد جديدٌ يستحقّ أن يُروى، لا ليبلغ حصّته السنوية من الأوراق أو «ورقةً مميَّزة» أخرى تؤهّله للترقية أو التثبيت أو المنصب.
ملحوظة: من أوجه تلك «الصناعة» أيضًا إعادةُ تنظيم الجامعات والإدارة وخفض الميزانيات، وتفاقم سباق الجرذان على الوظائف (والفكر يدفع الثمن)، وبرامج «موجّهة للعملاء» تمرّ على خبراء التسويق تقويمًا لجدواها في سوق المنتجات الأكاديمية، وتدهور فرق الدعم الأكاديمي الحيوية، وتسليع شبه كامل للمخرجات، ثم المقاييس وهوس «الأثر». صار النشر الأكاديمي عارًا وعقبةً أمام العلم لا معينًا له. وصار ضربًا من الترويع للباحثين الشباب بدل أن يكون أداة تحرّر تمنحهم صوتًا وموطئ قدم. استشرى الاحتراق المهني، ومعه الاكتئاب والعلاقات غير السعيدة وأنماط عيش غير صحية. بيئة طاردة للإبداع البشري وقد كان ينبغي أن تكون مصمَّمة له.
هذا ما لم يكن مهمًّا. أمّا ما كان مهمًّا فيمكن تلخيصه في ثلاث كلمات: العطاء، التربية، الإلهام. وسأضيف رابعة لاحقًا.
كما قلت، كانت حياتي الأكاديمية هدية غير متوقَّعة لم أكن مستعدًّا لها. حين عُينتُ عام ١٩٨٨ نظرتُ إلى من رأيتهم «نماذج سيئة» وقررتُ ألّا أفعل ما يفعلون. قررت أن أكون الأكاديمي الذي كنت أتمنى، بوصفي طالبًا، أن ألتقيه. إن اضطررتُ للتدريس، فسأدرّس درسًا كنتُ سأحب حضورَه، وإن كتبتُ فسأكتب نصوصًا أستمتع أنا بقراءتها. قاعدة بسيطة لازمتني: لستُ أنا المقصود، بل الطالب؛ ودوري أن أقدّم له أدوات وموارد تنفعه هو لا أنا.
أدركت مبكرًا أن دوري في حياة الشباب الذين أدرّسهم هو دور «المربّي»، لا مجرّد مدرّسٍ أو محاضر. ومنذ أدركتُ ذلك أخذته مأخذ الجد. أعددتُ كل مساق بعناية، وقد كثرت المساقات، وتمرّنت على كل محاضرة. لم أدخل قاعةً بلا «حكاية» وسيناريو لطريقة سردها. إذا كان عليك أن تعلّم، فعلِّمْ تعليمًا لا هزل فيه. واجعل كل دقيقة جديرة بالحضور، وتأكد أن طلابك يتعلمون شيئًا في كل مرة. قد يبدو هذا هيّناً، لكنه مهمة شاقة.
والتدريس يبدأ برفض الاستهانة بالطلاب. كثير من طلابي يتذكّرون أنني كنت أفتتح المساق بإعلان أنني سأجعل المادة فوق رؤوسهم بقليل؛ عليهم أن يبذلوا جهدًا للحاق بإيقاع المادة. كنتُ أفعل ذلك دائمًا: أُكلّف بقوائم قراءة وواجبات انتقدها زملاء بأنها «فوق مستوى» الطلاب؛ فقد قرأ طلاب السنة الأولى كتابًا لفوكو مثلًا. والحاصل أنهم فعلوا وتعلموا كثيرًا. فما «مستواهم» إذًا؟ غالبًا ما يُحسن تحديده بعد التعلم لا قبله. لا أحد «جاهز» مسبقًا لجرعات مقننة من المعرفة؛ يصبح جاهزًا ببذل جهد. وعدم فهم هذه الحقيقة البسيطة، وافتراضُ أن للطلاب «مستوى» علينا نحن المعلمين أن ننزل إليه، خطأ جسيم. وقد رأيتُ في مسيرتي كم يفضي هذا الخطأ إلى معاملة شبابٍ موهوبين معاملة الأطفال، وإلى إنجاز تعليميّ لا يبلغ إلا جزءاً يسيراً مما كان ممكنًا. فلا تُقلّل من شأن طلابك.
أعطِهم بدل ذلك أفضل ما لديك: لا مادة قديمة مستهلكة، بل أحدث أفكارك وأعمق رؤاك. أدخلْهم إلى عوالم بحثك الجارية؛ قرّبْهم من أكثر قضايا المجال تقدّمًا؛ اعرضْ عليهم بيانات معقّدة؛ واسمحْ لهم بدخول «مطبخك» لا الاكتفاء بواجهة المتجر. وكان لي في فترات طويلة عبءٌ تدريسيّ ثقيل، فلم أحفظ حيوية الدروس لي ولهم إلا بربط التدريس مباشرة ببحثي. كنت آخذ تحليلات نصف مكتملة إلى القاعة وأكملها مع طلابي، وأريهم كيف أخطئ وأعود إلى نقاط سابقة وأترك عُقدًا شديدة الصعوبة جانبًا. هكذا لم يلتهم التدريس وقت البحث، بل صار هو وقت البحث، وصار للطلاب أن يتفاعلوا مع باحث يواجه مشكلة ملموسة حقيقية تطلب حلاً.
عند هذه النقطة يتحوّل «التدريس» إلى «تربية». فنحن لا «ننقل معرفة»، ولسنا، كما تحب الإدارة الأكاديمية المعاصرة أن ترانا، رافعاتٍ تنقل كمية من الموارد من مكان (عقولنا) إلى مكان آخر (عقول الطلاب). وقد رفضتُ هذا التصوّر آنفًا.
كلا. نحن أكثر من ذلك بكثير لطلابنا، شئنا أم أبينا، ويجب أن نكون كذلك. كلّنا نتذكّر معلمينا من الروضة إلى الجامعة. بعضهم يبهت في ذاكرتنا حتى يصير خطوطًا عامة معلّقة بلحظةٍ بعينها، وبعضهم يقيم في ذاكرتنا بتفاصيله الدقيقة: كلماته، ومتى قالها ولماذا، وإيماءاته، ومفاجآته. بل إن منهم من صار قدوةً أو من رسم مسارات حياتنا وهوياتنا في لحظاتها الحاسمة.
أدركتُ تمامًا أن طلابي سيتذكرونني بوصفي معلمًا. كل لحظة تفاعلٍ تترك أثرًا في نموّهم وقد تُمنَح من الأهمية ما لا يمكن أن يكون لها عندي أنا. باختصار: كل سلوكي تجاههم مادة تربوية محتملة؛ لذا وجب أن يُنظَّم على هذا الأساس. على الطلاب أن «يتعرّفوا» إليّ، أو على الأقل إلى نسخةٍ منّي تُذكَر بوصفها أسهمت إيجابًا في نضجهم. الاحترام، والدماثة، والنزاهة، واللياقة المهنية، والتعاطف، وأن يُعتمَد عليك، والأمانة، والالتزام: كلمات تشير إلى أدوارٍ لا تصير سلوكًا حقيقيًّا إلا بممارسةٍ دائمة.
أخبرني طلابي غير مرة بأسرار شديدة الخصوصية لا تُقال عادة إلا لأقرب المقرّبين. وفي حادثتين منفصلتين دخلت عليّ طالبتان في ضيق شديد وأخبرتاني بأنهما تعرّضتا للاغتصاب، وكنتُ أول من خطر لهما طلب المساعدة منه. كانت لحظات مربكة أخذتني على حين غرّة، لكنها علّمتني أن المعلم جزء كبير من حياة طلابه بطرق ودرجات لم أستوعبها حق الاستيعاب. ومسؤوليات هذا الدور جسيمة: نحن أكثر من مجرد «أكاديميين» لهؤلاء الشباب؛ نحن بشر مكتملون، وقد يكون سلوكنا مفيدًا ومهمًّا وحاسمًا لهم. علينا أن نتصرف على هذا الأساس وألا نفرّ من هذا الدور التربوي الأوسع.
الكلمة الثالثة هي «الإلهام»، ولها عندي مقام خاص. ذكرتُ آنفًا ما كنت أجده في الدراسة من لذّة؛ ومردّ تلك اللذّة الحقيقيّ هو الإلهام: أن تلهمني أعمال الآخرين التفكير في اتجاهات بعينها، وأن أفكّر في أشياء لم أكن قادرًا على التفكير فيها من قبل، وأن أفعل أشياء بطرائق بعينها، وأن أستكشف تقنيات وأساليب وخطوط استدلال. ولأكن حاسمًا هنا: لا أذكر أنني درستُ شيئًا قطّ لأتّبعه كما يتبع المريد أوامر شيخه أو المتدرّب قواعد الصنعة؛ وفي كل محاولة في هذا الاتجاه كنت أفشل فشلًا ذريعًا. لم أستطع يومًا أن أستوعب مذهبًا مغلقًا، ولا أن أحمل بارتياح تسميةً من قبيل «محلّل خطاب نقدي».
وكلما انكببتُ على دراسة شيء أردتُ أن أستلهم منه. والإلهام قوةٌ تفتح مساحاتٍ واتجاهاتٍ للتفكير فجأة، وتكشف عن بذرة فكرة، وتقترح صيغةً واحدة تُغني عن سواها. و مدار الإلهام على التفكير؛ هو القوة التي تُشعله وتسوقنا إلى جوهر الحياة الفكرية: الأفكار. والعلم من دون أفكار ليس علمًا، بل لعبةُ قواعدٍ يُقاس فيها «النجاح» بمقدار ما يُظهره المرء في عمله من انعدام الإبداع؛ أي نقيض ما ينبغي أن يكونه العلم تمامًا. لا يمكن للعلم أن يكون خاضعًا، ولا أن يكون مجرد «اتباع إجراء» أو «إطار عمل». إنه بناء الإجراءات والأطر.
كثيرًا ما قدّم لي طلاب الدراسات العليا أعمالَهم بقولهم: «أستخدم إطار هاليداي». وكان سؤالي: «وكيف صار هاليداي إطارًا؟» والجواب، بداهةً: ببناء إطارِه هو ورفضِ اتّباع أطر الآخرين. فمن صاروا «أطرًا» أخذوا الحرية التي لا بحث بدونها، ورفضوا القيود التي كثيرًا ما تُحسَب خطأً «ممارسةً علمية». والحرية الجوهرية في البحث هي حرية نزع البداهة عمّا يُعدّ صحيحًا وواضحًا ومعلومًا، وإعادة التفتيش فيه، حرفيًّا: إعادة البحث (re-search). إنها حرية الانشقاق، وهي ما نخفيه كثيرًا في خطابنا المؤسسي خلف عبارة «التفكير النقدي». وأرى الانشقاق واجبًا في البحث، ومن أمتع جوانبه؛ بل أحسبه ما لا يزال يغري الناس باختيار مهنة البحث.
ويكتسب الإلهامُ أهميتَه من واجب نزع البداهة وإعادة البحث والسؤال، وهو ما أراه جوهر البحث. ويمكننا أن نجعل ذلك أيسر، وأكثر إنتاجية كما أعتقد، إذا أذنّا لأنفسنا بالاستلهام من هذا الكمّ الهائل من الأعمال وما فيه من أفكار لا تُحصى، ومن تفاعلاتنا مع الأصدقاء والزملاء والطلاب والأقران؛ أن نسمح لهم بأن يؤثروا في وجهات نظرنا ويصوغوا فينا وجهاتٍ جديدة ويعينونا على تغيير آرائنا. وفي ممارساتنا ينبغي أن نحاول كذلك، بوعي وقصد، إلهام الآخرين: ألّا نقدّم لهم مذاهبنا ويقينياتنا، بل أفكارنا، حتى لو كانت غير مصقولة غير مكتملة نصف مثبتة، وأن نوضح كيف يمكن لها أن تُخصِب ما هو قائم لا أن تحلّ محلّه.
حاولت باستمرار أن ألهم الآخرين، وأن أنقل إليهم ما أُعلّقه على الإلهام من أهمية بوصفه هابيتوسًا Habitus، أي استعدادًا مكتسبًا، في العمل والحياة. وفي كتاباتي سعيت أن أصطحب القرّاء إلى أقصى حدود معرفتي وأن أفتح لهم لمحةً مما وراءها: أرضٌ مفتوحة لا ترسم لها كتابتي خارطة طريق، لكنها قد تعينهم على أن يروها مفتوحة للاستكشاف. لهذا بدت بعض جوانب عملي «جدلية» أو «استفزازية»، وهي أوصاف يُقصد بها الذمّ عادةً، لكنها تفصح حتمًا عن قدرٍ من الصلة بالموضوع وتوحي بقدرٍ من الابتكار. لم يزعجني ذلك قط، ولم يزعجني كذلك أن أحاور من لم يقرأ لي ولا ادّعى أنه قرأ؛ كثيرًا ما كانت تلك ألذّ اللقاءات.
هذه ثلاثية ما كان مهمًّا لي مهنيًّا: أن أصنع عادة العطاء والمشاركة والسخاء في التعامل مع الآخرين؛ أن أدرك واجبي التربوي وما يلازمه من مسؤوليات وأخذه مأخذ الجد؛ وأن أجعل الإلهام أداةً مركزية وغايةً للممارسة الأكاديمية والفكرية. حاولت تطبيقها طوال مسيرتي، ولا أدّعي أنني فعلت ذلك بلا خطأ ولا نقص؛ فلا شكّ أنني أخطأتُ كل خطأ يعرفه البشر، ولستُ أتحدث هنا حديث قدّيس. لكن هذه العناصر الثلاثة كانت دائمًا، وقد بتُّ أنظر إلى الوراء بمسافةٍ أوسع، مبادئ توجيهية ومعايير أزن بها أفعالي وسلوكي.
وأضيف الآن كلمة رابعة: «الديمقراطية»، وهي من طرازٍ مختلفٍ قليلًا.
نشأتُ وتعلّمتُ في نظام دولة الرفاه التعليمي في بلجيكا. وبالنظر إلى تواضع حال عائلتي الاجتماعي والاقتصادي، فربما لم أكن لأنال تعليمًا عاليًا في أنظمة تعتمد الرسوم. أنا ثمرة جهد جماعي كبير وبنيوي بذله ناس لم يعرفوني، هم دافعو الضرائب، أيًّا كنتُ. أنا ابنُ مجتمع ديمقراطي.
وظللتُ واعيًا بهذه الحقيقة طوال رشدي، وكان موقفي السياسي بوصفي أكاديميًّا محترفًا أنني، مع العلم الذي أُنتجه، موردٌ للمجتمع، وأنّ عليّ أن أردّ للمجتمع ما استثمره فيّ. و«المجتمع» هنا يعني الجميع لا جزءًا منه؛ إنه مفهوم جامع بالضرورة. والعلم من هذا المنظور مشاعٌ، وموردٌ ثمين متاح للجميع، وثروة للإنسانية. وقد صار تطبيق هذا المبدأ أصعب فأصعب بسبب التطورات التي ذكرتُ: التسليع السريع الشامل للصناعة الأكاديمية في أثناء مسيرتي. فقد صارت المؤسسات الأكاديمية والعمل الأكاديمي سلعًا حصرية نخبوية إلى حدّ غير عادي، والعمل الذي يرفض القيود الملازمة لهذا التسليع لا يُشجَّع غالبًا، وهذا أقلّ ما يقال. سأعود إلى هذا، لكن عليّ أولًا أن أواصل سردي الشخصي.
ولأنني عملت كثيرًا في أفريقيا ومع الأفارقة طوال مسيرتي، لم أكن بحاجة إلى من يخبرني بأن المعرفة، لا سيما بصيغتها الأكاديمية، ليست متاحة للجميع، وأن جزءًا كبيرًا من البشرية لم يُتَح له إلا فضلاتُ ما يستغني عنه أهل الامتياز. وهذا يُؤخذ حرفيًّا: كثير من الكتب المدرسية المستعملة في تنزانيا في أوائل الثمانينيات ومنتصفها كانت كتبًا أُزيلت من مناهج المملكة المتحدة وشُحنت إليها، نفاياتٍ في حقيقة الأمر تحت اسمٍ برّاق هو «المساعدة الإنمائية التعليمية». وكان جواب كل طالب أو أكاديمي تقريبًا لقيتُه في جامعة دار السلام، التي صارت بيتي الثاني حينًا طويلًا في بدايات مسيرتي، عن سؤال «ما أكثر ما تفتقرون إليه هنا؟» هو: «الكتب والمجلات». أرفف الأقسام شبه فارغة، حتى ما كان يُسمّى منها «قاعات مطالعة»، ومجموعات الكتب الخاصة القليلة عند الأكاديميين ثمينة محروسة نادرة التداول. وفي متجر الكتب بالحرم الجامعي أيضًا أرفف فارغة وإمدادات شحيحة ومعظم المعروض قديم. (ومع ذلك صارت تلك الزاوية المهجورة المغبرّة كنزًا لي؛ فهناك وجدتُ طبعات رخيصة لأعمال ماركس ولينين وماو تسي تونغ، قدّمتها قديمًا حكومات الاتحاد السوفيتي وألمانيا الديمقراطية والصين.) ومكتبتي المنزلية، وأنا يومئذ طالب دكتوراه، كانت أكبر بأضعاف من بعض مجموعات الأقسام التي رأيتها في دار السلام. فإن كان لعبارة «الامتياز الأبيض» معنى، فقد كنتُ حادّ الوعي به منذ وقت مبكر جدًّا من مسيرتي.
وغدت اللامساواة الموضوع المركزي في عملي وممارستي الأكاديمية منذ اللحظة الأولى، ولم أتخلَّ عنه قط. أردت أن أفهم لماذا يصبح «الفهم» ذاته موضوعًا للامساواة. وبعبارة محدّدة: لماذا تُساء قراءة قصة طالب لجوء أفريقي وتُستبعَد على نحوٍ مطّرد لدى سلطات اللجوء في بلجيكا وغيرها؟ لماذا تُرى شهادات بعينها في لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب أفريقيا «جديرة بأن تُذكَر» بينما تُنسى غيرها أو لا تُؤخذ مأخذ الجد أصلًا؟ لماذا تُعدّ قصص كثيرة من الهامش غير جديرة حتى بعناء الاستماع، فضلًا عن التدوين والدرس؟ لماذا لا يُعترف بفئات من الناس بوصفهم محاوِرين ذوي أصوات مشروعة تستحق الاحترام والانتباه؟ قادني هذا الانشغال، طوال مسيرتي، إلى هوامش المجتمعات التي عشت فيها وعملت، وجعل الاصطدام بالعنصرية والتمييز الجنسي وغيرهما من أشكال اللامساواة البنيوية أمرًا لا مفرّ منه.
وكانت له تبعات عملية في تنظيم عملي. أذكر ثلاثة قرارات:
أولًا. كشفت لي خبرتي في الجامعات الأفريقية عن وجود «عوالم أكاديمية» عدة، لا «مجتمع أكاديمي» واحد مثاليّ يُستدعى أحيانًا مجازًا. فقررت أن أستثمر كثيرًا من جهدي للعمل مع ما صار يُسمّى «الجنوب العالمي» ولأجله. وأفخر بعملي الرسمي مع جامعة كيب الغربية بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٨، حين نسّقتُ مشروع تعاون أكاديمي كبيرًا باسم المجلس الفلمنكي المشترك بين الجامعات في بلجيكا. وكيب الغربية جامعة أنشئت في عهد الفصل العنصري لغير البيض، وكانت لا تزال تحمل ندوب تلك المرحلة عام ٢٠٠٣: نقصٌ حادّ في الموارد، وغيابٌ للبنى وللخبرة اللازمة لبناء ثقافة بحثية معاصرة. وبالعمل الوثيق مع قيادة الجامعة المحلية، وهي أكثر فرق القيادة الأكاديمية إلهامًا وحيويةً ممن لقيتُ وقد صاروا أصدقاء العمر، أحسب أننا أدرنا الدفّة. وفي الطريق تعرّفت إلى مجتمع رائع علّمني الكثير عن معنى الالتزام الحقيقي، من رئيس الجامعة الفخريّ ديزموند توتو إلى أليستر الذي كان يرافقني مساعدًا وسائقًا كلما كنت في كيب تاون.
وبذلتُ جهدي كذلك، بصفة غير رسمية، للعمل مع باحثين ومؤسسات في الجنوب العالمي، وبناء شبكاتٍ علاقات على مهل في بلدان عديدة، وتقديم المساعدة بطرائق شتى. وغالبًا لا يملك من التقيتُ بهم في تلك الشبكات المالَ للسفر إلى المؤتمرات التي أشارك فيها، ولا لشراء كتبي. وهذا يقود إلى القرار الثاني.
ثانيًا. أردتُ أن أجعل عملي متاحًا في الوصول المفتوح، وأن أبتكر آليات ديمقراطية حقيقية لتداوله وتوزيعه. وتذكّروا ما قلته عن العلم بوصفه مشاعًا: أنا آخذ ذلك على محمل الجد. فمبكرًا جدًّا أنشأتُ سلسلة «أوراق عمل» مكّنت موادّ منشورة عالية الجودة من تجاوز حواجز الدفع عند الناشرين التجاريين. ومع صيرورة الويب عاملًا مهمًّا في مهنتنا استخدمتُه منبرًا للتداول والتوزيع: كل ما أكتبه يُنشر أولًا في مدونتي، ثم يتحول عادةً إلى ورقة عمل ضمن سلسلة «أوراق تيلبورغ في الدراسات الثقافية»، قبل أن يشق طريقه إلى مجلات أو كتب باهظة الثمن. وكنتُ من المبادرين الأوائل على منصات المشاركة الأكاديمية مثل Academia.edu وResearchGate. ويسعدني أن أرى أن شريحةً كبيرةً ممن يقرؤون موادي وينزّلونها باحثون من الجنوب العالمي، ممن لا يستطيعون تحمّل كلفة النسخ التجارية من أعمالي.
وليس هوسي بالوصول المفتوح محصورًا بقرّاء الجنوب العالمي؛ فطلابي أنفسهم، وهم يعملون معي في جامعة موفورة الموارد في بلد ثريّ، لا يستطيعون شراء كتبي. وكما قلت، صار النشر الأكاديمي عارًا يستبعد أعدادًا متزايدة ممن يحتاجون حقًّا إلى الوصول إلى منتجاته. فرأيت من واجبي أن أقوّض ذلك النظام: أن أشارك وأوزّع أشياء لا تُتاح عادةً للمشاركة والتوزيع، وأن أفعل ذلك مبكرًا مع الموادّ الحديثة. فنشر النصوص القديمة نافع ومفيد، لكن حاجة الباحثين الحقيقية في مناطق واسعة من العالم هي الوصول إلى أحدث الموادّ، ليكونوا جزءًا من النقاشات الجارية وليوائموا أبحاثهم مع طليعة الأبحاث في غير بلدانهم. وصناعة النشر الأكاديمي تبذل جهودًا بارعة، مهيبة حقًّا، لمنع هذا تحديدًا.
لا ينبغي أن نكون جزءًا من تلك الصناعة، ولا أن نكون دعاةً لها، ولا أن نشعر بأننا ملزمون بخدمة مصالحها. نحن قوّتها العاملة، ونحن من يقدّم لها عملًا مجانيًّا. ونحن من نوقّع معها عقودًا غير قابلة للتفاوض عادةً، تُسلَّم فيها كل حقوقنا في أعمالنا وتُستولى وتُخصخص، في مقابل رقم DOI وملف PDF. تستغلّنا تلك الصناعة إلى حدٍّ يراه أكثر العقلاء أضحوكة. مع أننا لو أعملنا قليلًا من الخيال الخلّاق لما احتجنا إلى تلك الصناعة بعد اليوم. فنحن الأكاديميون نعرف جمهور أعمالنا معرفةً أدقّ بكثير من أي موظف تسويق في دار نشر أكاديمية، ونعرف جيدًا من هم المراجعون العارفون الموثوقون لأعمالنا. وكل ما نحتاجه موقعٌ على الويب ننشر فيه عملنا حين يصير جاهزًا للنشر، مجانًا وبلا قيود على مشاركته، متاحًا لكل مهتمّ به، لا لمن دفع ثمن الوصول إليه فقط.
ثالثًا. لم أتوقف طوال مسيرتي عن مخاطبة الجمهور غير الأكاديمي. قدّمت مئات المحاضرات وورش العمل والدورات التدريبية والنقاشات العامة للمهنيين والناشطين في مجالات شتى: التعليم والعمل الاجتماعي والرعاية والقانون وعمل الشرطة ومناهضة العنصرية والنسوية ودعم اللاجئين والمنظمات الشبابية والنقابات والأحزاب السياسية. وكانت القاعدة عندي أن أفعل ذلك بلا مقابل، وقد ذكرتُ آنفًا مبدأ ردّ الجميل للمجتمع؛ وكان الأصل عندي أن أجيب عن الدعوات بـ«نعم». وجدت هذه الأنشطة مجزية دائمًا، ووجدت جمهورها حيويًّا على نحو لافت. وواصلت كذلك الكتابة بالهولندية: أكثر من اثني عشر كتابًا إن لم أكن مخطئًا، وأكوامًا من المقالات، كلها مكتوبة لجمهور غير متخصّص، وكثيرٌ منها مبنيّ على بحثي الجاري ومستخدَم في برامج التدريب المهني. كان ذلك وسيلتي لنقل العلم الحديث سريعًا إلى منبر عام أوسع. فالأخصائيون الاجتماعيون والمعلّمون في الفصول متعددة اللغات لا ينبغي أن يتلقّوا معلومات كانت صالحة قبل عقد؛ بل ينبغي أن ينالوا أحدث ما هو متاح من أفكار ورؤى، وأن يُدرجوه في ممارستهم.
وقد أطلقتُ على ما ذكرته في هذا القسم اسمًا: «الناشطية المعرفية». ففي عالمٍ صارت المعرفة فيه أوسع إتاحةً من أي وقت مضى، وأشدّ انغلاقًا ونخبويةً من أي وقت مضى في آن واحد، تصير المعرفة ساحة معركة، وعلى من يشتغلون بها مهنةَ أن يدركوا ذلك. أمّا أنا فأقول: الموقف «الحيادي» من المعرفة مستحيل، لأنه يجعلها مُسكّنًا لا قوّة له ولا وزن في أعين من تُعرض عليهم. ولهذا نحتاج إلى موقفٍ ناشط، تُخاض فيه معركة السلطة بالمعرفة، وتُفعَّل فيه المعرفة أداةً مركزية لتحرير الناس، ودعامةً لكل جهد نحو مجتمعٍ أعدل وأنصف. لقد كنتُ محترفَ معرفة بالفعل؛ لكن فهم ما فعلتُه بهذه الصفة أيسر حين يُدرك المرء تلك الناشطية التي جعلت الاحتراف، عندي على الأقل، جديرًا بأن يُمارَس.
سأتوقف هنا. راجعتُ أربعة أمور وجدتها مهمّة وأنا أنظر إلى مسيرة أكاديمية بدأت عام ١٩٨٨ وتوشك على الانتهاء. ولا ينبغي أن تُقرأ هذه المراجعة للمبادئ بوصفها سيرةَ قدّيس. لم أكن مثاليًّا بأي حال: أخطأتُ أخطاءً كثيرة، وظلمتُ أناسًا، وأخطأتُ في التقدير، وانغمستُ في ثقافة النجومية والتحصيل المفرط التي كان ينبغي أن أدرك منذ البدء أنها سطحية لا قيمة لها؛ وكنتُ صعب المراس أحيانًا، ونزِقًا سيّئ المزاج في أحيان أكثر، وما إلى ذلك. أنا شخص عادي. لكني أظنني أستطيع القول إنني حاولت جاهدًا أن أنظّم الجانب المهني من حياتي وفق النقاط الأربع التي ناقشتها هنا، وإنّ هذه المحاولة، على تواضعها، جعلت ذلك الجزء من حياتي ذا قيمة لي. والرضا الذي أستمدّه منها كافٍ لكي أُنهي هذا الجزء من حياتي بلا ندم، وبلا شعور بأن شيئًا فاتني أو أن أحدًا بخسني حقّي.
ويسعدني أن أتوقف هنا.
توفي البروفيسور جان بلوميرت في السابع من يناير/كانون الثاني ٢٠٢١ إثر مضاعفات مرض السرطان.
النصّ الأصلي: ?Jan Blommaert, “Looking back: What was important”، نُشر في ٢٠ أبريل/نيسان ٢٠٢٠ في مدونته Alternative Democracy Research (Ctrl+Alt+Dem)، وهي متوقّفة اليوم، بترخيص المشاع الإبداعي — نسب المُصنَّف (CC BY 4.0).
ترجمة و تحرير: محسن الوايلي




