قبل القياس، يقيم الجُسيم بين مساراتٍ كثيرة، لكلّ مسارٍ حظُّه من الظهور. وقبل القراءة، يقيم البيت الشعريّ بين دلالاتٍ كثيرة، لكلّ دلالةٍ فرصتها في أن تستيقظ. في الحالين ينتظر شيءٌ معلّقً واسعٌ لحظةً تمنحه هيئة.
الدالّة الموجية تحفظ للجُسيم إمكاناته قبل أن يستقرّ في موضع واحد. وللقصيدة ما يشبهها: إيقاعها، وصورها، وما ينام في كلماتها من نصوصٍ وأساطير وتجارب سابقة. هذه كلّها ترسم المجال الذي تتحرّك فيه معانيها، وتفتح لكلّ قراءةٍ احتمالًا جديدًا.
في «حدائق وفيقة» يفتتح السيّاب حديقةً تحت الأرض، ويقول: «يلتقي في جوّها صبحٌ وليلٌ، وخيالٌ وحقيقة». الجملة تُبقي المتقابلات معًا في هواءٍ واحد، ولا تعرضها على القارئ ليختار بينها. تحمل الصورة وجوهها كلّها في آنٍ واحد، كما تحمل الحالة الكمّية إمكاناتها قبل أن تظهر إحداها. وهذا فضاء إحتمال القصيدة: ليس في وسع أحدٍ أن يردّ الصورة إلى الصبح وحده ولا إلى الليل وحده دون أن ينهدم البيت.
ثم تبلغ الحالُ ذروتها حين يقول: «والحمامُ الأسودُ، يا له شلالَ نورٍ منطفي». الحمام الأسود ليس مجاورًا للصورة، بل هو الصورة نفسها: السوادُ والنورُ والانطفاءُ والانهمارُ في إسنادٍ واحدٍ لا يُفكّ. «النور» هنا يتلوّن بـ«منطفي»، و«منطفي» يحتفظ بأثر النور، وكلاهما يقع تحت سواد الحمام. ولو نُزعت كلمةٌ من موضعها لتبدّلت الكلمات الباقية معها. المعنى لا يسكن اللفظ المفرد؛ يسكن العلاقةَ بين الألفاظ.
ولا يعمل البيت في المعنى وحده. يجري الشطر على تفعيلة الرمل مرّتين تامّتين ثمّ تنقص الثالثة، فتقف العبارة قبل تمامها عند «منطفي». ينقص الوزن حيث ينطفئ النور، فيبلغ الخفوتُ أذنَ القارئ قبل أن يفهمه. وللقصيدة إذن مساران يتقدّمان معًا: مسارٌ في الدلالة ومسارٌ في الصوت، وما يظهر منها في القراءة الواحدة حصيلةُ التقائهما.
وفي الفيزياء تجربةٌ تحمل اسم «قطّ تشيشير»: يُفصَل الجُسيم عن إحدى خصائصه، فتُرصَد الخاصّة في موضعٍ وصاحبها في موضعٍ آخر، كما بقيت ابتسامة القطّ بعد أن ذهب. وهذا ما يصنعه المجاز منذ أن قيل الشعر: يُنتزع الوصف من صاحبه ويُركَّب على غيره. فالانطفاء صفةُ نار، والانهمار صفةُ ماء، وقد نُزعتا عن أصلهما ورُكِّبتا على النور. يفعل الشاعر في اللغة ما تفعله التجربة في المادّة.
قال ابن الفارض، قبل ثمانية قرون، في محبوبته وهي تتبدّل في العيون: «ففي مرّةٍ لُبنى، وأخرى بُثينةً، وآونةً تُدعى بعزّةَ عَزَّتِ»؛ ثمّ يقطع الطريق على من يحسبهنّ ثلاثًا: «ولسنَ سواها، لا، ولا كُنَّ غيرها». تتعاقب الصور، وكلُّ صورةٍ تامّةٌ في موضعها، ولا واحدةَ منها تنقص من الأصل شيئًا.
القياس في المختبر لحظةُ تماسٍّ مع الجُسيم، والقراءة لحظةُ تماسٍّ مع القصيدة. في الحالين يخرج الممكن من سعته الأولى إلى صورةٍ محسوسة: يظهر الجُسيم في موضع، ويظهر المعنى في تأويل. يقرأ قارئٌ «شلال نور المنطفي» فيرى حزن رجلٍ يقف على قبر، ويقرؤه آخر فيرى إغراء الموت وقد صار حديقةً وضياء، ويقرؤه ثالثٌ فلا يرى إلّا عبارةً بلغت جمالها فتحرّرت من مناسبتها. الصورة واحدة، وما يظهر منها يتبدّل بتبدّل من يقف أمامها.
وفي الحديث النبويّ فضاءُ احتمالٍ آخر: «الرؤيا على رِجل طائرٍ ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت». الرؤيا قبل العبارة معلّقةٌ خفيفة، سِربٌ من الدلالات لم يستقرّ بعد؛ فإذا مسّتها العبارة استقرّت. والتعبير لا يستوفي الاحتمالات كلّها، إنّما يُجسّد واحدًا منها بحسب مُعبِّر الرؤيا. ومُعبِّر الرؤيا داخلٌ في الأمر لا منفصلٌ عنه، كالعلاقة بين الراصد والمرصود، وكذلك القارئ حين يفتح الكتاب.
ولهذا تعود القصيدة في كلّ قراءةٍ بهيئةٍ جديدة. ذاكرةُ القارئ ولغتُه وخوفُه ومزاجُه في تلك اللحظة تشارك كلّها في اختيار المسار الذي يضيء، فيستيقظ احتمالٌ كان ساكنًا وتتبدّل شبكة العلاقات داخل الصورة الواحدة. وتعود إلى القارئ التالي سحابةً محمّلةً بكلّ ما لم يُقَل بعد.
وقد سبق الخيالُ الفيزياء إلى تفرّع الطرق. نشر بورخيس «حديقة الطرق المتشعّبة» سنة ١٩٤١: زمنٌ يتفرّع عند كلّ مفترق، وكلّ نهايةٍ تحتفظ بظلّ نهايةٍ أخرى. وبعد ستّ عشرة سنة، في ١٩٥٧، خرج من الفيزياء تأويلٌ يقول إنّ الطرق كلّها تقع، وإنّ شيئًا لا يسقط منها.
وحين تبلغ الفيزياء أغرب مناطقها لا تجد أمامها إلّا ما يجده الشاعر: موجة، جُسيم، تشابك، قفزة، نفق، نسيج. هذه الألفاظ تحمل إلى الخيال ما لا تحمله العبارة الحرفية، لأنّ ما تصفه لا نظير له في تجربتنا. وقد قال النفّريّ قبل أكثر من ألف عام: «كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة». قالها في المكاشفة، وهي في فيزياء الكم أبعد مما رأى: لا يبقى طريقٌ إلّا المجاز، ومنه يدخل الشاعر والفيزيائيّ معًا.
الجُسيم قبل القياس، والرؤيا قبل التعبير، والقصيدة قبل القراءة: ثلاث صورٍ للممكن وهو ينتظر ظهوره. هناك، حيث لا ينفد الممكن ولا يستقرّ المعنى في بابٍ واحد، تبدأ الدهشة.



