أشدّ ما يُرهق الإنسان ليس أن يفشل في حياته وحسب، لأنّ الفشل حدثٌ خارجيّ مربوطٌ بيد الأقدار: بابٌ أُغلق، أو فرصةٌ ضاعت. بل الموهبة المقموعة القابعة في أعماق الفرد، التي لا تجد منفذًا لتحقيق صيرورتها، تتحوّل مع الزمن من وعدٍ بحياةٍ أوسع إلى عبءٍ وجوديّ.
المعضلة أن يشعر المرء، في قرارة نفسه، بأنّ في أعماقه شيئًا يتلاطم بين جوانحه لم يُمنح حقّ الظهور بعد. ثمّة من حاول أن يطلق العنان لذلك الشيء فلم يستطع، فأدرك مرارته. وهناك من لم يجد بوّابةً ولا سياقًا يُطلقه فيه. الفرق بينهما في الوعي؛ أحدهما يعرف ما فقده، والآخر لم يعرف ما يفوته. أمّا الأثر فمشترك في الحالتين: طاقةٌ خلّاقة لم تجد منفذًا.
وهذه الطاقة الخلّاقة المكبوتة تتراكم عبر الزمن كالترسّبات في قاع إناء. نيتشه، في مقدمة «هكذا تكلم زرادشت»، لمس طرفًا من هذه الطاقة الإبداعية المحبوسة حين جعل الفوضى في الإنسان شرطًا لولادة النجم الراقص. لكن الفوضى التي لا تلد نجمًا لا تهدأ؛ فالإمكانات الإبداعية الكامنة لا تبقى معلّقة إلى الأبد. فإن لم تجد صورةً تليق بها، خرجت في صورة لا تليق بصاحبها، والقبح هنا يخرج نتيجة الطاقة الجماليّة في الإنسان حين تُحبس طويلًا. وفي كتابه «في أصل الأخلاق وفصلها» يذهب نيتشه إلى أبعد من ذلك، فيرى أن ثورة العبيد في الأخلاق تبدأ حين تصير الضغينة نفسها خلاّقة وتلد قيمًا: ضغينة كائنات حُرمت ردّ الفعل الحقيقي، أي الفعل، فعوّضت عنه بانتقام وهمي. وفي سياق العبقرية المكبوتة، ما أخفق في أن يصير أثرًا أو جمالًا يلتمس صورةً أخرى يعيش بها، فلا يجد أحيانًا إلا الصور المظلمة.
صاحب العبقرية المكبوتة، تراه أحيانًا في زاوية مقهى، أو في اجتماع عمل لا يعنيه. ينظر إلى من حوله نظرةً فيها من الانكسار أكثر مما فيها من الحسد. يُصغي إلى حديثهم عن إنجازاتهم الصغيرة، ويبتسم ابتسامةً مهذّبة، ثم يعود إلى بيته مثقلًا بشيء يستعصي على التسمية. وقد لا يعرف هو نفسه: أفي أعماقه طاقةٌ لم تظهر، أم صورةٌ رسمها ليعزّي بها عجزه؟
والفشل بالمعنى المتداول شيء آخر. بعضهم نجح في معظم تجاربه، ويحمل مع ذلك شعورًا لا يفارقه بأنّ حياته التي عاشها دون مستوى الحياة التي كان يظنّ نفسه أهلًا لها. عند كيركغارد، في «المرض حتى الموت»:
«أعظم خطر، أن يفقد المرء نفسه، يمكن أن يحدث في هدوء تامّ في العالم، كأنه لا شيء على الإطلاق.» وفي الكتاب نفسه: «بعدم المغامرة يسهُل فقدانُ ما يصعب فقدانه في أخطر المغامرات… ألا وهو الذات»
وثورو، في «ولدن»، يختصر الحال في سطر:
«غالبية الناس يعيشون حياةً من اليأس الصامت»
ولأوليفر وندل هولمز، في قصيدته «الذين لا صوت لهم»:
«الويل لمن لم يغنّوا قط، وماتوا وموسيقاهم كلها في داخلهم»
ومع الزمن، لا تبقى الموهبة المحبوسة بريئة. تبدأ حزنًا غامضًا، ثم تنقلب على مهل ضيقًا من العالم والناس والأيام. وتنتهي أحيانًا نفورًا من قصص الناجحين، وممّن وجدوا لأنفسهم موطئ قدمٍ تحت بقعة الضوء.
ومع طول الحبس تتصلّب الموهبة فتستحيل إلى فكرة ثابتة عن صاحبها، فيرى نفسه من زاوية المنبوذ الذي لم يُفهم، والذي حُرم فرصته في الحياة. ومتى صار النبذ والحرمان اسمًا يُعرَف به المرء، كفّت الطاقة عن طلب صورةٍ تخرج فيها، وأخذت تنطوي على جرحها، فالجرح النرجسيّ صار الهويّة. وصاحب هذا النمط من التفكير يظنّ نفسه ناظرًا إلى سجنه من خارجه، بينما هو قضيبٌ من قضبانه: كلّما فكّر في حرمانه ثبّت صورته عن نفسه، فيلتمس الدواء من الأداة نفسها التي صنعته.
الموهبة المكبوتة تعمل في الاتجاه المضادّ. يكتب إريك فروم في «الهروب من الحرية»:
«كلما أُحبط دافع الحياة قويَ دافع التدمير؛ وكلما تحققت الحياة ضعفت قوة التدمير. التدميرية هي ثمرة الحياة التي لم تُعَش»
فرويد، في «مآزق الحضارة»، يتحدث عن التسامي: تحويل الغريزة إلى مسار ثقافي أعلى. الحضارة، عند فرويد، تنهض على كبت الغرائز القوية وعدم إشباعها. الإبداع تسامٍ ناجح، والعُصاب فشلُه. وما وصفه فرويد آليةً يضعه ابن القيم اختيارًا. في «الوابل الصيب» يقول:
«النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، والقلب إن لم تسكنه محبة الله سكنته محبة المخلوقين لا محالة… فاختر لنفسك إحدى الخطتين»
لكنّ هذه الطاقة ضرورة في أصلها. ماسلو، في «الدافع والشخصية»، يجعلها شرطًا للسلام مع النفس:
«على الموسيقي أن يصنع موسيقى، وعلى الفنان أن يرسم، وعلى الشاعر أن يكتب، إن أراد أن يظل في سلام مع نفسه. ما يستطيع الإنسان أن يكونه، لا بد أن يكونه»
والعبقرية تمتحن صاحبها قبل أن يدّعيها. وفي رسائله إلى شاعر شاب، يردّ ريلكه السائلَ إلى نفسه:
«اسأل نفسك في أكثر ساعات ليلك صمتًا: أيجب عليّ أن أكتب؟» فإن جاء الجواب «يجب»، فعلى المرء أن يبني حياته وفق هذه الضرورة. وحين تُقاوَم، لا تخمد، بل تتوحّش.
وفي رسالة كافكا إلى ماكس برود:
«الكاتب الذي لا يكتب وحشٌ يستفزّ الجنون»، وحياته حين لا يكتب تصير «أسوأ بكثير، لا تُحتمل، وتنتهي حتمًا إلى الجنون»
وللموهبة سجنٌ آخر خارج صاحبها. فرجينيا وولف، في «غرفة تخص المرء»، تتخيّل «أخت شكسبير»:
«أي امرأة تولد بموهبة عظيمة في القرن السادس عشر كانت ستُجنّ حتمًا، أو تطلق النار على نفسها… فالفتاة الموهوبة التي تحاول توظيف موهبتها في الشعر كانت ستُحبط وتُعرقل من الناس، وتُمزّقها غرائزها المتعارضة، حتى تفقد صحتها وعقلها يقينًا»
ويتردّد الصدى نفسه في تمهيد جورج إليوت لـ«ميدل مارش»:
«وُلدت تيريزات كثيرات لم يجدن حياة ملحمية… بل حياة من الأخطاء، ثمرةَ عظمةٍ روحية لا يناسبها ضَنَك الفرص»
وحين يُسدّ المنفذ يدفع البدن الثمن. يقول المتنبي:
«وإذا كانت النفوس كبارًا / تعبت في مرادها الأجسام»
وفي السياق العربي المعاصر، يصف مصطفى حجازي في «التخلف الاجتماعي» كيف ينكفئ الإنسان المقهور على ذاته أو يتماهى مع المتسلّط، فتتحوّل الطاقة المكبوتة من إمكانٍ وجوديّ إلى عطبٍ نفسيّ.
وفي القول السبعين المنسوب إلى إنجيل توما:
«إن أخرجتَ ما في داخلك، خلّصك ما أخرجت. وإن لم تُخرج ما في داخلك، أهلكك ما لم تُخرجه»
وأكثر ما يقع هذا الهلاك في مناطق مظلمة بعيدة عن أعين الناس، في صورة أخبث: برودٌ عاطفيّ لا يشفيه دفء، وشعورٌ قاسٍ بأنّ المرء يعيش حياته غير المعاشة في عالمٍ موازٍ، في ظلّ ما كان يمكن أن يكون.
هل الموهبة نعمة؟ هي بالتأكيد نعمةٌ لمن يجد لها منفذًا وسياقًا. ونقمةٌ لمن يُحبس معها في سجنٍ يحمل مفتاحه دون أن يدري. والمفارقة أنّ العبقرية التي وُهبت للإنسان ليبني بها حياته ويخدم الإنسانية، هي ذاتها ما يهدمها حين لا يجد لها تشكّلًا. والطاقة المحبوسة لا تختفي؛ تعتمل في أعماق المرء، فإن طال بها الصمت، انقلبت على صاحبها.



