حين نسأل العلم الحديث عن الحب، يجيبنا بخرائط ملوّنة لشبكات تضيء في الدماغ. هذا الضوء قابل للقياس والتكرار، ويشير إلى واقعة فيزيولوجية لا مِراء فيها. لكنّ القياس العلمي يرصد هذا الأثر ولا يقول لنا كيف يُنتج هذا التفاعل الكيميائي شعورًا بأنّ العالم كلّه تبدّل معناه، وأنّ حدودًا كانت صلبة قد انحلّت، وأنّ اتصالًا بشيء أكبر من الذات المفردة قد تحقّق.
يقول ابن القيم إنّ في القلب فاقةً لا يسدّها شيء سوى الله. والفاقة عنده افتقارٌ دائم لا تملؤه الموجودات المحدودة مهما بلغت، وهي بنيةٌ ثابتة فيه، تظهر في كلّ مطلبٍ يبلغه فلا يجد عنده غايته. غير أنّ الفاقة عنده تفترض انفصالًا تاماًَ بين مخلوقٍ محدود و خالقٍ مطلق، وهو من أشدّ خصوم القول بأنّ هذا الانفصال ظاهريّ. و إبن القيم يصف الفراغ وصفًا لم أجد أدقّ منه، ثم يفترق عنّي عند تفسيره. الحب هو الحركة التي تعبر بها الذات هذه الفاقة نحو ما يتجاوزها. ونحن لا نوجد جزراً منفصلة ثم نقرّر الاتصال، وإنّما نوجد في اتصالٍ يسبق وعينا به، والحب هو اللحظة التي ينكشف فيها.
ويذهب التقليد الصوفي إلى الأصل. يقول العراقي في «اللمعات الإلهية» إنّ الحب هو غيب الذات الإلهية، الأصل الذي تظهر منه الموجودات كلّها، وإنّه لمّا خلق الكون تجلّى في صورتين: محبوبٍ ومحبّ. فالثنائية التي نختبرها بين الذات والموضوع انفصالٌ ظاهريّ في وحدة أعمق، والجمال هو ما يُبقي كلًّا منهما في شوقٍ إلى الآخر لا ينقطع. والكون على هذا حركة واحدة يشهد فيها الحب نفسَه، عبر انفصالٍ يعود إلى الوحدة.
ولهذه الصورة نظائر في تقاليد أخرى. أفلوطين يجعل الواحد أصلًا تنبثق منه الكثرة وتعود إليه، وحركة العََود إلى الواحد عنده اشتياقٌ مركوزٌ في الكثرة نفسها. والأدفايتا الهندوسية تقيم اللاثنائية على براهمان حقيقةً واحدة يتنوّع ظهورها ولا تتعدّد.والتقاء تقاليد متباعدة على صورةٍ واحدة ليس مجرّد توارد خواطر عابر للثقافات، بل تيارٌ تحتيّ في اللاوعي الجمعي، هو ما سمّاه يونغ النماذج البدئية: نموذج «الذات» الذي تعود إليه الأضداد، وصورة الاقتران المقدّس التي جعلها رمزًا لاتّحاد المتقابلين.
والآية ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: ٥٤) تلتقط هذه الحركة الدائرية. المحبّتان وجهان لنسيجٍ واحد، والتقديم في اللفظ لا يُلزم بتعاقبٍ في الأمر. والمحبة على هذا تسبق انقسام المحبّ والمحبوب، فليست لواحدٍ منهما دون صاحبه.
ولهذا صدى في شهادات من اقتربوا من الموت. تقول أنيتا مورجاني في «الموت لأكون أنا» إنّها أدركت أنّ الكون كلّه مصنوع من حبّ غير مشروط، وأنّ كلّ ذرّة فيه من نسيج هذا الحب، وأنّ ما يبدو مؤلمًاً في التجربة الإنسانية داخلُ في هذا الحب لاخارجُ عنه. وهي واحدةٌ من آلاف الشهادات التي تتكرّر فيها الصورة نفسها على اختلاف الأديان والثقافات، حتى صار اطرادها أمرًا يستحقّ التأمّل.
ويقترب أوغسطين من الفكرة حين يقول: أحبِبْ وافعل ما شئت. فالذات التي تشرّبت الحب لا تجد في نفسها ما يحملها على إيذاء المحبوب. والأخلاق هنا ثمرةُ هذا التغيّر النابع من أعماق النفس، لا امتثالٌ لأمرٍ يأتي من خارجها.
رابعة العدوية تنقل العلاقة من الخوف إلى المحبة. ويُروى عنها قولها: أن يُعبَد الله لا خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنّته، بل لجماله وأهليّته للعبادة. وتقول في بيتيها المشهورين:
أُحبُّك حبَّينِ: حبَّ الهوى وحبًّا لأنّك أهلٌ لذاكا
فأمّا الذي هو حبُّ الهوى فشغلي بذكرك عمّن سواكا
الخوف يفترض ذاتًا مذنبة وقوّةً تعاقب، والمحبة تكشف قربًا يتبدد الخوف عنده. فالإنسان يكفّ عن الشرّ حين يراه خروجاً عمّا يقوم عليه وجوده، وحينئذٍ يسقط العقاب من الإعتبار. وهذا انتقالٌ في المعرفة قبل أن يكون انتقالًا في الشعور: من رؤية الواقع صراعًا بين ذوات منفصلة، إلى رؤيته حركةً واحدة يشدّها الحب.
ويجتمع في الحب ما تفرقه المعارف. الدماغ يعطينا منه ما يُقاس ويسكت عمّا وراءه، والذات تنفتح عليه انفتاح المفتقر إلى ما يسدّ فاقته، أمّا الكون فمن نسيج الحب نفسه.
ويبقى مصدر هذا النسيج سؤالًا مفتوحًا. العراقي يسمّيه غيب الذات، وأوغسطين يردّه إلى الله، و رابعة تكتفي بأن يطلب لذاته، والتسميات كلّها تحوم حول الأصل ولا تحيط به. وربّما تعذّرت معرفته لأنّ كلّ معرفة تفترض موضوعًا ينفصل عن العارف، والحب سابقٌ على هذا الانفصال؛ فالسؤال عن مصدره يفترض ثنائيةً بين الحب وأصله، والدعوى أنّ الحب هو الأصل. أمّا ما نملكه بيقين فهو الأثر لا الاسم: الكون متماسك، والذات قادرة على تجاوز حدودها، والوجود يتحرّك في اتجاهٍ لا نجد له وصفًا أدقّ من الحب. وأمّا من أين جاء هذا النسيج فيبقى مجهولًا، وفي بقائه مجهولًا وفاءٌ للتجربة نفسها: من عايَن لم يحتج إلى اسم، ومن لم يُعاين لم يُغنِه اسم.




يكفيه أنه إغواء للحياة كي تضمن استمراريتها ، ليس هو ذاك الذي يخلق بين شخصين فحسب ، بل هو أوسع و أرحب ، فيكون بينك و بين قصة أو بينك و بين كتاب أو بينك و بين موقف أو لحظة معينة، تجعل منك شخصاً مختلفاً عن عما كنته سابقاً، تخلق فيك روحاً متجددة و نفساً ممتلئة بحالة من الهناء النفسي الذي يغلف كل شيء به بكل جمال و اقتدار .